فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقفة مع نهاية العام ... ... ...
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم… أما بعد:
أخي الحبيب، لقد وقفت أمام يوميتي لأنزع آخر ورقة بها، آخر يوم من عمر العام المنصرم 1425هـ، وعلى غير عادتي تثاقلت يدي هذه المرة وهي تمتد إليها، وانتابني إحساس نبّه في وجداني شعوراً، ما كنت أعيره اهتماماً على مدى أكثر من 350 يوماً قد انتهت، لقد أحسست بإشفاق عليها، وقد تراءت لي كأنها تحتضر، وترنو إلى يدي في فزع وذل، كأنها تطلب مني أن أمهلها لحظات تودّع فيها هذه الحياة، فعدلت عن نزعها، ورحت أتأمل هذه الورقة الأخيرة، واعترتني رهبة عندما عرفت أنني في الحقيقية بنزعها قد نزعت حزمة من أيام عمري، لأطوي بها سجلّي الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وبما فيها من خير وشر.
أخي الحبيب، إن هذه اليومية المحتضرة تشبه عمر أي مخلوق، وإنها تتناقص أيامها مثلما تتناقص أعمارنا يوماً بعد يوم، وكما يتناقص بتراكمات الحقب والسنين عمرُ الزمان، وكل المخلوقات في تناقص مطرد حتى تنتهي إلى الزوال { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ } [الرحمن:26-27] ، إن كل المخلوقات تنتهي أعمارها، وتمضي حيث شاء الله لها، وتطوى، إلا هذا المخلوق (الإنسان) فإنه الوحيد الذي يبقى متبوعاً بعد رحيله من هذه الدنيا، وموقوفاً للحساب والجزاء.
عدت من ذهولي، وأخذت استحث ذاكرتي القاصرة، علّها تسترجع بعض ما رسب وعلق بها من أحداث العام المنصرم، قبل أن تغمرها دوائر النسيان، ووقفت طويلاً استعرض ذلك الشريط الطويل (العمر) ، يا سبحان الله العظيم، إنه شريط عجيب حقاً، فقد اكتظ اكتظاظاً، وأفعم إفعاماً، لقد اكتظ بالحوادث المختلفة، والأحداث المتباينة، والأعمال الحقيرة والجليلة، عنّي وعن غيري ممن لا حصر لهم، من الذين مرّوا أمام عدسة هذا الشريط بالصوت والصورة.
لقد تذكرت هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وما كان فيها من أحداث، وما أحوجنا -أخي الحبيب- ونحن نستقبل عاماً هجرياً جديداً أن نعيش بقلوبنا وعقولنا ومشاعرنا وواقعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية والتي حوت على الكثير من الدروس والعبر منها على سبيل المثال لا الحصر، قيمة الزمن وأهميته.
فلقد جاهد النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل الله حق الجهاد، منذ أنزل الله عليه قوله تعالى: { يأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } [المدثر:1-4] ، فكان صلى الله عليه وسلم يواصل الليل مع النهار والسر مع الإعلان، وما كان يخشى في الله لومة لائم، ولا كان يردعه عن تبليغ الدعوة تهديد قريش ووعيدها.
واستجاب له منذ البداية صدّيق الأمة أبوبكر من الرجال، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن النساء زوجته خديجة بنت خويلد. واستجاب لأبي بكر: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم.
وتعهد صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتربية والتعليم فكان يجمعهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم فيعلمهم ما ينز ل عليه من القران الكريم، ويأمرهم بحسن الأخلاق ويحذرهم من الفسق والشرك والعصيان، وكان صلى الله عليه وسلم قدوة لهم في جميع أقواله وأفعاله.
وكان للوقت قيمة كبرى عندهم، فكانوا يستغلون أوقاتهم في طاعة الله وفي التزود من علم الرسول صلى الله عليه وسلم وفضله، وكانت العقيدة في نفوسهم أهم من المال والأهل والولد، وعندما خيّروا بين الوطن والقبيلة ورغد الحياة وبين خشونة العيش والغربة والتشرد اختاروا صحبة رسول الله والهجرة في سيل الله.
لقد صدق الصحابة رضوان الله عليهم ما عاهدوا الله عليه، وعندما ابتلاهم الله صبروا وضربوا أروع الأمثلة في الفداء والتضحية، وعندما نادى منادي الجهاد كانوا يتسابقون على الموت في سبيل الله ولسان حالهم يقول { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } [طه: 84]
وبعد ثلاثة عشر عاماً من البذل والتضحية أكرم الله جل وعلا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، بالنصر وجاءهم من جهة المدينة.
13 عاماً كانت محسوبة بأيامها ولياليها وساعاتها.
13عاماً لا يهنأ المسلمون فيها بلذيذ الطعام والشراب، ولا يصرفهم عن ذكر الله حب الدنيا والتثاقل إلى الأرض.
13 عاماً من العمل الجاد، والتخطيط الدقيق، والتربية الرائعة.
فأين نحن اليوم - أخي الحبيب - من سيرة الرسول وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.