إن مما يبتلي الله عباده المؤمنين أن يصيبهم بالضراء، ووقوع الضراء بالمؤمنين لسببين:
أولاهما: فتنة وابتلاء، كما قال تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموار والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) .
وثانيهما: تكفير لذنوب المؤمن أو لرفع درجته، كما روى الإمام الترمذي من حديث أبي هريرة بسند صحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله ونفسه حتى يلقى الله وما عليه خطيئة » (حديث رقم 2399) .
فإذا وقع البلاء بالمؤمن فعليه أن يصبر له، ولا يعجل بنفسه إلى الله هربًا من الضراء، وجزعًا وقلة صبر، فإن عجل بنفسه إلى الله بقتلها هربًا من البلاء فهو آثم عاص، وهو يدل على قلة إيمان وضعف يقين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كان برجل جراح فقتل نفسه، فقال الله: بدرني بنفسه، فحرمت عليه الجنة» (رواه البخاري ومسلم من حديث جندب بن عبد الله) .
وقد تكرر منه صلى الله عليه وسلم الترهيب من قتل المرء نفسه هربًا وجزعًا من الحياة ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يخنق نفسه، يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار» ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ترك الصلاة على من قتل نفسه، كما روى الإمام أبو داود في سننه (2 رقم3180) ، ولم يفقه الأئمة الأعلام من حديث ترك الصلاة على قاتل نفسه إلا أن هذا الترك هو بسبب تنفير الناس من فعله، كما قال إبراهيم بن راهويه (عون المعبود8/473) ، ونقل الخطابي عن أكثر الفقهاء أنه يُصلى عليه، وهذا هو الصواب في المسألة (معالم السنن) ، وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا دعاء حسنا لمن قتل نفسه (2 رقم 116) وهذا يدل على دحوله (أي قاتل نفسه) في المشيئة، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه.
ثم تبين لنا أن علة التحريم هي عدم الصبر، والجزع، واستعجال الموت للتخلص من الآلام ومصائب الحياة. ويظهر هذا واضحًا في نهي الشارع عن تمني المسلم الموت لضر أصابه، فقد روى الشيخان في صحيحهما من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» ، وهي تختلف عن تمني المسلم الشهادة، وأن يُقتل بيد كافر.
باب جواز إلقاء المرء نفسه في التهلكة لمقاصد شرعية
مما نص عليه الأئمة في كتب الفقه عن جواز انغماس الرجل في صف الكفار وإن تيقن التهلكة إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين:
أ) قال محمد بن الحسن الشيباني -صاحب أي حنيفة- في كتاب السير الكبير:"لو حمل واحد على ألف من المشركين، وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في عدو، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم، حتى يصنعوا مثل صنيعه، فلا يبعد جوازه، لأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه، وإن كان قصده إرهاب العدو، وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لاعزاز دين الله، وتوهين الكقر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم... إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه"(تفسير القرطبي2/364، 365) .
ب) قال ابن خويز منداد (من فقهاء المالكي) :"فأما أن يحمل الرجل على مائة أو جملة من العسكر، أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يُقتل، ولكن سينكى نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا" (القرطبي2/363) .
ج) قال ابن حجر العسقلاني:"وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إذا كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين" (الفتح 8/185 -186) .
د) قال ابن تيمية: «جوز الأئمة الأربعة أن بنغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنه يقتلونه، إذا كان ذلك مصلحة للمسلمين» (فتاوي ابن تيمية 28/540) .
وأما الأدلة التي احتج بها الأئمة على جواز القاء النفس إلى الموت لهذه المقاصد الشرعية فكثيرة، ونشير إلى بعضها: