فهرس الكتاب

الصفحة 2766 من 27345

إعصار ريتا كاترينا نفرح أو لا نفرح ؟.

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه [أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى] 24/8/1426

عظة وعبرة.

إعصار: ريتا.. كاترينا. يذكرنا بالريح الصرصر العاتية، التي نزلت بقوم عاد، قال الله تعالى:

-"كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين * فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم".

قوم عاد ضربوا في القرآن مثلا: لأمة أعطيت القوة والشدة، والبناء العظيم، التي لم يخلق مثلها في البلاد، فما شكروا ولا عدلوا، بل طغوا وقالوا: من أشد منا قوة. قال تعالى:

-"فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون".

قوم عاد استكبروا على عبادة الله وحده، وسخروا من إفراده وحده بالعبودية لما دعوا إليه، قال تعالى:

-"قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين".

فلما قامت حجة الله عليهم، فما استكانوا ولا تضرعوا، أخذهم العذاب: ريح تدمر كل شيء. قال تعالى:

"فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون".

-"وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى * كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية".

روى الإمام أحمد بسنده، وأخرجه الشيخان، عن عائشة رضي الله عنها قالت:

-ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا قط، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيما، أو ريحا، عرف ذلك في وجهه. قالت: يا رسول الله!، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية ؟، قال: يا عائشة!، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ؟، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا.

قال الله تعالى:

-"واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين".

كان ذلك في القرون الخالية، نسمع بقوم عاد، وأنهم كانوا يسكنون الأحقاف، في جنوب جزيرة العرب، وأنهم أهلكوا بريح صرر عاتية، ونعجب لريح تفعل هذا الفعل، في قوم أشد الناس أجساما:"وزادكم في الخلق بسطة"، وأشد الناس بناء:"إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد"، ولولا أنه حكي في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لبقينا شاكين، مترددين: نصدق، أو لا نصدق.

لكن"إعصار كاترينا"طمأن قلوبنا، وزادنا يقينا، فنرجو أن نكون كما قال إبراهيم لربه تعالى، لما سأله أن يريه كيف يحي الموتى ؟:"قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي".

الإعصار كان ريحا صرصرا: شديدة، باردة، لها صوت مزعج. وقد فعل ما رآه الناس أجمعون في كل مكان بأقوى أمة على الأرض اليوم:

-أمة لا تزال تقول: من أشد منا قوة.

-أمة تسيح في الأرض تفعل ما تشاء بالأمم الضعيفة، بالمحو والاحتلال، واغتصاب الثروات.

-أمة بنت الشاهق في كل ريع، واتخذت المصانع لعلها تبقى خالدة.

-أمة فتنت العالم بقوتها، وهيبتها، وجبروتها، حتى خضع لها الضعيف، واحتار في أمرها الرشيد.

وقفت عاجزة لا تقدر أن توقف ريحا، قد علمت بأنها آتية؛ أي لم تأتها بغتة، بل جهرة علانية، فلم تملك غير الانتظار والتسليم للقدر المحتم..!!.. تحصي ما يمكن أن يبقى ويسلم، بعد أن تعذر عليها إحصاء ما سيذهب ويتلف، فجاءت حثيثا، فظلت ترقب عيثها، وإفسادها، وإهلاكها الحرث والنسل، فلم تبق ولم تذر، وتركت الأرض قاعا صفصفا، مدينة بكاملها (نيو أولينز) خليت من سكانها، فلم يبق أحد، صارت كأحقاف عاد لما أتاهم الريح:"فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم"، ولم تنجل الريح إلا بإذن ربها.

فأين هي..؟، وأين قوتها ..؟، وأين جبروتها.. ؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت