فهرس الكتاب

الصفحة 8651 من 27345

العاطفة والعدل (1/2)

يوسف بن محمد الغفيص 20/12/1423

أحيانًا نبالغ في تقدير مفهوم بعض الأشياء ، فنعطيها مساحة واسعة من التأثير في تفكيرنا وتصرفنا , وربما إصدار الأحكام , ورسم منهج التعامل .

وبسبب نوايانا الطيبة ، والسعي إلى إنتاج المصلحة وتحصيلها ؛ نتصرف بهذا التصرف ، ونشعر مع أنفسنا بمصداقية وكثير من السعادة والغبطة ؛ لأننا نلاحظ أن هذا التقدير منحناه لمعنى مهم ، قد يكون مفهومًا فاضلًا ، أو يتجاوز هذا إلى كونه يمثل مفهومًا مبدئيًا .

إن المشكل يتحدد هنا حينما نتصور - ربما بشكل تلقائي - أن كون تصرفنا أو تفكيرنا يقع تحت تأثير مفهوم معين أقرّته الشريعة ؛ فإن هذا يعني بأن لدينا شرعية التصرف والتفكير الذي نقوم به !! .

وتحت هذا التركيب والواقع ، لا نبالي كثيرًا بتقدير الأشياء ، وحساب المواقف والتصرفات ؛ لأننا - أحيانا ً- نحاول التأكد فقط من كون المفهوم الذي يحرك تأثيرنا له مصداقية ، دون أن نتمتع بإدراك لحدود هذا المفهوم وضوابطه، وموقعه حسب اقتضاء قواعد المنهج الشرعي الوسطي المركب من أكثر من مفهوم مؤثر في العمل ومنهج التعامل .

حينما نحاول أن نعرف جذر هذه المشكلة فربما يكون من الرسم المُقرِّب له: أنه ربما يصعب علينا أن نستوعب التفكير والتصرف تحت تأثير أكثر من مفهوم ، إننا كثيرًا ما نألف الحركة والتفكير تحت تأثير مفهوم واحد ؛ لأننا نشعر بأننا أكثر تلقائية ، ووضوحًا ، وأسرع في حسم المواقف وإصدار الأحكام .

ولبساطة التحرك تحت تأثير مفهوم واحد أصبح العامة وغير العارفين بمفصّل مقاصد وأدلة الشريعة يشاركون بشكل فعّال في إصدار الأحكام ، والخوض في جوابات الشريعة التي تُتناول بها أحداث أو أحوال قائمة .

حينما نأخذ هذين المفهومين ( العاطفة والعدل ) ندرك أنهما من المفاهيم الجادة في التأثير على واقع العمل , والتعامل الذي نتحدث عنه أو نقوم به ، وحتى رسم نظام التفكير لدينا .

إن هذين المفهومين ( العاطفة والعدل ) من المفاهيم الفاضلة ، و من غير الصحيح أن يكون هناك جدل حول صواب أو أثر هذين في العمل والتعامل .

إن العاطفة كلمة لم يصرح بها كمفهوم للتعامل في نصوص الشريعة ، لكنها داخلة تحت ( الرحمة ) وهي من الصفات التي عظمتها الشريعة ، وامتدحتها ولهذا جاء في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن لله مائة رحمة , أنزل منها رحمة واحدة , بها يتراحم العباد ، وبها تعطف الوحش على ولدها ، وأبقى تسعًا وتسعين يرحم بها عباده يوم القيامة ) )، كما هي أيضا مرتبطة ( بالولاء ) وهو من مفاهيم الشريعة ومقاصدها . فعن هذين ( الرحمة ، الولاء ) تتكون العاطفة في الجملة ، وهنا تكون العاطفة ممتدحة من حيث الأصل .

إن العمل والتعامل , بل حتى التفكير يفترض أن يكون متأثرًا بقدرٍ ما من العاطفة التي هي تكوين من ( الرحمة والولاء ) لكن جوهر التصحيح يقع في تقدير الحد المفترض , والكشف عن مؤثرات أخرى تحظى بنفس الأهمية والمصداقية تحت صورة من التوازن بين هذه التعددية من المفاهيم المعتبرة في مراد الشريعة .

إن العاطفة ليست مفهومًا طارئًا في نفوسنا نكتسبه من أصله ، بل هي ماهية موجودة في الإنسان طبعًا .

وهنا يكون من العبث العقلي كما هو من المخالف الشرعي أن نحاول التصرف أو حتى التفكير دون مصاحبة وتأثير العاطفة .

إننا حين نكتشف أن العاطفة ظهرت سببًا في خطأ تصرفنا أو تفكيرنا ؛ فمن غير المنطقي أن نحاول المراجعة والتصحيح تحت مفهوم رفض العاطفة أو التجرد منها في المحاولة الثانية التي نقصد منها الاستدراك والتصحيح . إننا بمثل هذا التصرف كثيرًا ما نخلق ردود أفعال ، أو نهيئ الأجواء لردود أفعال قد يمارسها طرف آخر سنكون على خلاف معه لكن لم ندرك أننا شاركنا في صناعة موقفه هذا .

إن تقدير سبب الفشل في محاولة ما كثيرًا ما يكون صعبًا ؛ لكن حين نتأكد من كون العاطفة سببًا مباشرًا في صناعة الخطأ ؛ فمن الضروري أن ندرك أن هذا السبب تولّد عن سوء تقديرنا لحدود العاطفة والمساحة المفترضة لها .

ومع ذلك فإن العاطفة قد تكون مسؤولة عن صناعة كثير من المواقف والتصرفات المتجردة من العلم والاعتدال، وهذا شكل آخر فحينما تكون العاطفة ليست التي صنع الموقف أو التصرف لكنها تكون مسؤولة عن تطوير الموقف ليتحول من شكله الأول المعتدل إلى تجاوز للعدل والوسطية ، وربما كان الموقف غلطًا من الأصل لكن العاطفة شاركت في ترسيم هذا الخطأ وتعقيد محاولة التصحيح .

إن الخطأ هنا تكوّن حينما نقدّر نحن حد العاطفة الذي نستصحبه في تصرف أو تفكير ما ، والحق أن تقدير هذا الحد هو قضاء للشريعة ، وليس خيارًا مفتوحًا لنا .

قد يكون التعرف على مدى تحقيقنا للقدر الشرعي المطلوب من العاطفة يشكل لدى البعض مشكلة في التصور ، فهو بمجرد الشعور بالنية الطيبة أو الهدف الفاضل يتصور أنه موافق للشريعة ، أو على أقل تقدير أنه معذور في الشريعة !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت