إن تقدير الحد المطلوب المناسب للمقام هو نوع من الفقه في دين الله , وهذا محل تفاضل بين أهل الإسلام ؛ لأن أثر العاطفة في التصرف والتفكير يجب أن يكون متنوعًا ومختلفًا نظرًا لاختلاف الأحوال والمناسبات . قد يكون من الصعب رسم حد لهذا المقدار , لكنه اعتبار شرعي لا بد من فقهه وضبطه بميزان الشريعة ، وهو دور يقوم به أهل العلم وأساتذة الدعوة معتبرين وسطية الشريعة وشمولية مقاصدها في مخاطبة الجماهير ، ويفترض أن تكون الجماهير مستعدة استعدادًا مناسبًا للاستماع والتعامل مع هذا التوجيه ، وإذا كانت جماهير كثيرة - ولا سيما بعد مرحلة الانفتاح الإعلامي والتقني في المجتمعات الإسلامية - تريد أن تستمتع بشيء من الحرية والاختيار فمن الضروري أن تؤمن بمنح هذه الحرية لقراء الشريعة من أهل العلم ورجال الدعوة .
وهنا يمكن أن نشير إلى صور يعرف من خلالها وجود الخلل في تقدير وضبط مفهوم العاطفة كمثال ضمن سلسة من المفاهيم الصحيحة التي كثيرًا ما لا نستوعب الجمع بينها ، والتوازن في تداولها وقراءتها:
1-حينما نتحرك دائمًا تحت مفهوم واحد في منهج التفكير والعمل والتعامل ، فهذا نوع من الخلل .
2-حينما نتصور صورة من التضاد , أو الإشكال بين مفهومين من المفاهيم الشرعية الفاضلة , فهذا - أيضا ً- نوع من الخلل وقلة الفقه .
3-حينما نتباعد عن الحديث أو البحث , في مفهوم شرعي آخر غير المفهوم الذي رسمنا تصرفنا أو تفكيرنا تحته؛ لأننا ندرك أن نظرنا في مفهوم شرعي آخر سيتحصل عنه تغيير في التصرف والتفكير الذي نقوم به. وقد لا يقع شكل من التباعد لكن لا يكون لنا قصد في مدى توافق التصرف أو التفكير الذي نقوم به مع المفهوم الثاني .
وربما كان هذا التباعد أو عدم القصد إليه نوعًا من الهوى الخفي - الذي كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية -: يعرض لكثير من أهل الفقه والزهد والعبادة ممن لم يحقق - قصدًا وحالًا - ابتلاء أمره على قضاء الله ورسوله ، وعن هذا يقع كثير من النزاع والاختلاف .
ومن المعاني الفاضلة التي عني شيخ الإسلام بتقريرها في مثل هذا المقام: أن موافقة الشريعة من وجه ، لا تستلزم موافقتها من الأوجه الأخرى التي قضت الشريعة باعتبارها كلها , وليس باعتبار أحدها أو بعضها .
حين نرجع إلى موضوع الورقة ( العاطفة والعدل ) وقد تحصل لنا أن المفهومين ( العاطفة والعدل ) كلاهما مفهوم فاضل ، باعتبار الشريعة للعاطفة المكوّنة من ( الرحمة والولاء ) أما العدل فإن العلم باعتبار الشريعة لهو من العلم الضروري .
فهنا من المهم أن نتصور أن حركة التفكير والعمل والتعامل بين أهل الإسلام يجب أن تكون مبنية على الموازنة بين هذين المفهومين ، وهذه الموازنة تعني تقدير بناء الحكم أو العمل عليهما مع المحافظة على تصديق كل مفهوم منها للآخر .
أحيانًا تبدو الموازنة أمرًا واضحًا ، لكن في الأحداث الشمولية التي تتسم بتعقيدٍ في التكوين والأسباب والمحركات ، وسرعةٍ في النتائج يقع - كثيرًا - نوع من التحيّز إلى مفهوم واحد ، وكثيرًا ما يتشكل خطان من التعامل , هذا يقع تحت وحي العاطفة ، والآخر تحت شعار العدل .
إن التضاد في الرؤية والمواقف كثيرًا ما يكون مرتبطًا بهذا التأثير , حين يبالغ طرف في مفهوم واحد من هذين المفهومين , سيكون على حساب المفهوم الآخر ، ويأخذ الطرف الآخر المفهوم الآخر بنفس المنهج , وهذا تجاوز لمفهوم ومنهاج الوسطية الذي من أخص مدلولاته اعتبار سائر ما اعتبرته الشريعة من المفاهيم والجمع بينها على هدي النبوة .
وحين نراجع هذا الطرف وذاك ؛ نجد بأن لديهما موافقة لوجه اعتبرته الشريعة , وهذا الوجه له حُسن مناسب باعتبار الاتصال بحكم الشريعة ، لكنه يتضمن أثرًا سلبيًا باعتبار أن هذا الشكل من الموافقة لمفهوم شرعي معين يوجد صعوبة لدى كثيرين في استيعاب خطئهم والتحول عنه، لكن الموقف ضرورة لن يكون شرعيًا باعتباره حكمًا وقضاءً هو مراد الشريعة في هذا المقام ؛ ولهذا مثل هؤلاء يقع لهم نوع من الحمد والمدح بما قصدوا فيه موافقة الشريعة , ونوع من الذم لما فارقوه من مقام الفقه والجمع لمعتبرات الشريعة في هذا المقام , وهذا هو الغالب على من قَصُر نظرُه من أهل الإسلام ، ويقع في هذا المقام من يكون من أهل الذم المطلق والتأثيم ممن اعتبر وجهًا من معتبرات الشريعة , وأعرض عن غيره , ولم يقصد إلى موافقة هدي النبوة , وهذا هو الذي وقع فيه قوم من أهل الكتاب , الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض , كما في قوله تعالى ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة: من الآية85) , ومما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية: أن هذا الخُلُق من أخلاق أهل الكتاب المبدلين لكتابهم يعرض لأعيان في هذه الأمة , ممن لهم مقام في العلوم والمعارف والأحوال
العاطفة والعدل (2/2)
يوسف بن محمد الغفيص 27/12/1423