فهرس الكتاب

الصفحة 8653 من 27345

إن من المعاني المهمة في هذا الموضوع: أن التعامل بين أهل الإسلام يجب أن يكون مركبًا من هذين المفهومين - أي العقل والعاطفة- , بقدر من التوازن حسب اقتضاء الشريعة ، وأن ندرك أننا حين نعطي لمفهوم واحد مساحة أكثر من المفترض له في الاعتبار الشرعي ، فهذا يعنى ضرورة أن القدر المزيد لهذا المفهوم مستلب من المفهوم الآخر الذي - حتمًا- سيبدو ناقصًا قاصرًا عن تأثيره المفترض له . وربما كان من الحقيقة المهمة هنا أن نقول: إن التجاوز والزيادة في أثر مفهوم واحد يعنى حقيقةً تجاوز المفهومين معًا !!

نعم، حينما تصرفنا في مقدار مفهوم بالزيادة , والآخر بالنقص ؛ فهنا لم يبق هذا المفهوم أو ذاك تصديق الشريعة وإقراراها؛ لأن هذه الشريعة وسط لا إفراط فيها ولا تفريط .وهذا مطرد في سائر المفاهيم التي قصدت الشريعة جمعها واعتبارها .

إن من قلة الفقه والاتِّباع ألاّ نستوعب أننا نمتلك عاطفة صحيحة إلا بنوع من التجاوز لحدود العدل ، أو بالعكس لا نشعر بالعدل إلا بنوع من التجاوز لحدود العاطفة التي يفترض أن تشارك في حركة العمل والتعامل بين أهل الإسلام لتخلق أجواء من الرحمة والتسامح بينهم .

إن القصور في فهم المنهج الشرعي هو السبب الرئيس في شيوع مثل هذه التصورات التي لا تستوعب تعددية الاعتبار والتأثير أي: كون العمل والتعامل وحتى الرأي يجب أن يقع تحت اعتبار وتأثير مجموعة من المفاهيم الفاضلة , سواء كان مفهومًا عينته الشريعة بالنص , أو كان مفهومًا فطريًا أو عقليًا صحيحًا مما يعلم اعتبار الشريعة له ، وأن هذه المفاهيم المتعددة يجب أن يقدر لكل منها قدره الشرعي .

إن سائر المفاهيم التي تستصحب في العمل والتعامل وحتى التفكير التي يقصد منها العبادة والطاعة يجب أن تكون شرعية إما بنص الشريعة ، أو اعتبارها , وقد علم اعتبار الشريعة للفطرة والعقل .

والتوازن بين مفهوم العاطفة والعدل أحيانًا يواجه مشكلة النفس الإنسانية التي ألهمها خالقها فجورها وتقواها , فليست نفسًا تمامية فاضلة من كل وجه ، وهنا فإن آيات كثيرة من كتاب الله تذكِّر بالعدل حينما تكون النفوس مهيأة أكثر لمقام الرحمة والولاء الذي قد ينسي كثيرًا من العدل والمحاقَّة أو شيء منها ومن هذا قول الله: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين .. ) "النساء:35"وقوله: ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) "الانعام:52"وتذكر آيات أخرى بالرحمة و الولاء التي هي المكون للعاطفة والمحرك لها حينما تكون النفوس مهيأة أكثر لمقام العدل والمحاقّة الذي قد ينسي كثيرًا من الرحمة والولاء أو شيئًا منها ومن هذا قول الله تعالى: ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) "النور:22"جاء في الصحيح وغيره أنها نزلت في أبي بكر الصديق لما حلف ألا يعطي مسطح بن أثاثة شيئًا بعد ما بلغه أنه خاض في قولة أهل الإفك في عائشة رضي الله عنها .

إن هذا المقام الذي قامه صدِّيق الإسلام غلب عليه حال العدل والمحاقَّة ، مع ما عرف به الصديق من الرحمة والرفق ، وقد كان يُشَبَّه بعيسى بن مريم في هذا المعنى، لكن النفس البشرية لا تتمالك وهكذا خلقها الله ، ولعظم إيمان الصديق اتخذ مقام القصد ولم يظلم، ومع هذا نزل تأديب رب العالمين سبحانه بهذا الخطاب المذكِّر بمقام الرحمة والولاء التي يبعث عليها قوله: ( أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ) إن هذه الأوصاف مؤثرة في النفوس الفاضلة لتتحول إلى العفو والصفح عما هو من حقوقها لو أخذت به ، فكيف تبتعد نفوس كثيرة اليوم عن هذا المقام الفاضل فيما ليس من حقوقها بل في حقوق الإسلام العامة في العلم والعمل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت