محمد بن صالح الدحيم 6/4/1426
التغيّرات العالمية (القوية والسريعة والمصلحية) و (الخطيرة) لم تعد سرًا من الأسرار، ولا الدخول في معمعتها خيارًا من الاختيارات، و ربما كان كذلك حينما كانت أفكارًا وخططًا، ولكنها وقد أصبحت اليوم واقعًا متسارعًا يطال تأثيره العالم كله -إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر- فلا ينفع إلا الحضور والتأثر والتأثير، وإلا فـ (مَنْ لم تكن له روح العصر كانت له شروره) .
وقد كان في الناس مبادرون فاعلون، وكان فيهم متباطئون، وشر من الصنفين متفرجون متهالكون.
لست أريد هنا الحديث عن الفاعلية الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية البحتة، ولكنني وأنا أرى رقمًا كبيرًا من المسلمين يشكل شريحة مؤثرة ومتأثرة في ذلك المجتمع العالمي؛ فهي بحاجة إلى الرأي الإسلامي في قضايا لم تعد قضية أقليات إسلامية كما كانت من قبل.
وأنا أرى ذلك أطرح السؤال الآتي: ما هو الاستعداد الفقهي لهذا العالم الجديد بتغيّراته كلها (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية) ؟
وقبل أن يصدر الجواب البدائي (يتمثل الاستعداد بوجود مراكز الإفتاء ومجامع الفقه الإسلامية العالمية... الخ) فإنني أستبق وأقول: ليس هذا إلا جواب الدبلوماسية (الدينية والسياسية) الذي لا يشفي عليلًا، ولا يروي غليلًا.
سأضطر إلى تفكيك السؤال السابق إلى أسئلة:
1)هل تم الانتهاء من رصد الموروث الفقهي الإسلامي في جميع مذاهبه الموافق والمخالف؟
2)هل تم ربط دوائر الإفتاء ومجامع الفقه الإسلامي بشبكة عالمية تتيح للجميع التواصل والتّفاقُه أم أن...؟
3)هل تتيح الأنظمة للمنظمات الأهلية فرصة تأسيس الكيانات الفقهية.
4)ثم هل يشارك المال الإسلامي في دعم وتنشيط تلك الكيانات لو قامت، أم أن الحس القائل بمجانبة الفقه -في سذاجة عن تكاليف تحصيل وتوصيل المعلومة- لا يزال مسيطرًا على الفكر التجاري؟
5)متى سيغادر الفقهاء القاعدون إلى العالم لينطلقوا في فقههم من واقع العالم ومتغيّراته، وحتى لو غادروا وهم جالسون عبر الاطلاع المكثف على الشبكة العنكبوتية؟
ربما لا يكون ذلك في المنظور القريب، وأنت ترى بعض المراجع الإفتائية لا تستخدم (الكمبيوتر) إلا في الطباعة (بعد الانتهاء من عمليتي التسويد والتبييض) .
6)متى سنسمع المراجعة الصريحة لبعض المسائل والفتاوى التي بُنيت على تصوّر قاصر ومعطيات ناقصة، وأولى بالطمس تلك الفتاوى التي غاب عنها النظر المآلي، أو لا تنسجم مع روح الشريعة (التيسير ورفع الحرج) ؟
ولماذا تتم الآن إعادة طباعة وتوزيع تلك الموضوعات؟
ولماذا لا تُطرح بعض المسائل على طبيعتها مسائل خلافية اجتهادية ومتغيرة أيضًا بتغيّر الزمان والمكان والأحوال والأشخاص؟
ولماذا لا يُعاد النظر في أحكام الضرورات الآخذة بالتوسع، والذي لم يعد محصورًا في (أكل الميتة وسد الرمّق) ليطال مسائل في الأموال والأعراض...؟
7)لماذا لا يمتلك الفقهاء ومؤسساتهم روح المبادرة، أي لماذا العناد الذي لا يفكّكه إلا قرار السلطان أو نسيان الزمان؟
8)ليس العالم لغة واحدة بل لغات متعددة؛ فأين هي التعددية في اللغة التي تتيح للإنجليزية والصينية والهندية و... و...و... الإفادة من الفقه الإسلامي؟ في تفاعل مع هدف الرسالة ومقصد النبوة (كافة للناس) (رحمة للعاملين) .
هذه وغيرها أسئلة ستتوارد في فكر المهتم بنشر الإسلام الصحيح والمهتم أيضًا بواقع المسلمين والمدرك لحياة الناس.
هذه أسئلة نطرحها غير متجاهلين لجهود شخصيات علمية وهيئات ومؤسسات تحاول جاهدة احتواء هذه الإشكالية، ولكن ما جدّ اليوم هو أضخم من هذه الجهود وأكبر من هذه الإمكانات.
نطرح هذه، ولا نزعم أننا نملك الجواب فضلًا عن الحل لكن طرح السؤال هو تمهيد الطريق لوضع الجواب.
هذه الأسئلة ليس الغرض منها بيان المثالب، ولكن غايتها النهوض بالفقه الإسلامي في مقابل الحدث، والمساهمة في حضوره ولمعانه ليمثل الإسلام العظيم والنبوة الخالد