خالد أحمد الشنتوت
التربية الروحية:
هي تنمية الروح التي نفخها الله في الإنسان ، قال تعالى [ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ] ص 72
وأخرج الشيخان يرحمهما الله تعالى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق [ إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ....الحديث ] صحيح البخاري رقم 3036 ، ومسلم 2643
والإنسان جسد وروح ، يغلب جسده روحه إذا ضعفت هذه الروح ، ويقترب الإنسان عندئذ من الحيوان ، فيصير عبدًا وأسيرًا لشهوات الطعام والشراب والجنس والنوم وغيرها من الشهوات الحسية . وتذبل الروح وتذوي وتضمر ويغلبها الطين الذي تجذبه الأرض إليها فيهبط الإنسان ، ويسلك في حياته ما يشبع جسده من عناصر الطين ، ويحبس نظره وآماله في هذه الأرض ، وهذه الحياة الدنيا ، كما هو عند ( الغافلين ) الذين لايبصرون إلا بعيونهم الحسية ، بعد أن ران على قلوبهم ماكانوا يكسبون .
أما إذا قويت الروح فتغلب الجسد ، وتقوده لما فيه خير الإنسان في الدنيا والآخرة ، وتحافظ عليه من الإفراط أو التفريط ، وعندما تسيطر الروح فإنها لاتكبت الجسد ، ولاتظلمه ، بل تسوسه بما يصلحه ، وينقاد الإنسان عندئذ لربه عزوجل الذي نفخ فيه الروح ، ويصير الإنسان عندئذ ( إنسانًا ) يبتعد عن صفات الحيوان ، ليقترب من مهمة الخلافة التي خلقه الله من أجلها .
( والطاقة الروحية في الإنسان هي أكبر طاقاته ، وأعظمها ، وأشدها اتصالًا بحقائق الوجود ، وطاقة الجسم محدودة بما تدركه الحواس ، وطاقة العقل أكثر طلاقة ؛ لكنها محدودة أيضًا بالزمان والمكان ، أما طاقة الروح فلاتعرف الحدود والقيود ، وهي وحدها تملك الاتصال بالله ) محمد قطب ، منهج التربية الإسلامية (1/44)
ويعنى الإسلام عناية خاصة بالروح ، وهي نقطة الأساس للإنسان ، لأنها صلة الإنسان بالله ، وطريقة الإسلام في تربية الروح هي أن يعقد صلة دائمة بينها وين الله عزوجل ، في كل لحظة ، وكل عمل وكل فكرة وكل شعور .
والعبادة هي الوسيلة الفعالة لتربية الروح، لأننا في العبادة نكون على صلة بالله عزوجل ، ولأن العبادة تعقد الصلة بالله عزوجل ، والشعائر التعبدية كالصلاة والصوم والحج والزكاة ، من حكمها الأساسية ربط العبد بربه ، وتمتين الصلة بين العبد وربه عزوجل ، ومن نعم الله على الإنسان أن العبادة يومية كالصلاة ، ولها مواسم سنوية كالصيام ، وموسم في العمر كالحج ، والشعائر التعبدية مواسم لتمتين الصلة بالله سبحانه وتعالى ، ومنها الحج . فالحج دورة في العمر يصقل الروح ويقوي صلتها بالله عزوجل ، ويشحنها بمراقبة الله عزوجل .
دور الحج في التربية الروحية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل ؟ قال:"إيمان بالله ورسوله"قيل ثم ماذا ؟ قال:"الجهاد في سبيل الله"قيل ثم ماذا ؟ قال: حج مبرور" [ متفق عليه ] ."
ويقترن الجهاد بالحج بأنهما من الأعمال المقربة إلى الله عزوجل ، وهما من أفضل الأعمال بعد الإيمان .
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يارسول الله ، نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور [ رواه البخاري ] ، وفي رواية: قلت: يارسول الله هل على النساء جهاد ؟ قال عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" [ رواه ابن خزيمة ] ."
الحج تجرد مؤقت من الدنيا:
-يبدأ الحج بالإحرام والتجرد من الثياب المخيطة ويتجنب استعمال العطور طيلة مدة الإحرام ، ويلبس الحجاج لباسًا موحدًا وهو الإزار والرداء من اللون الأبيض وفي الإحرام تجرد من الدنيا وزينتها وزخرفها ، والاكتفاء منها بما يستر العورة على الجسد ، والأقبال على الله عزوجل .
التلبية حث على التوجه إلى الله عزوجل:
ويلبي الحاج بعد دخوله في الميقات فيعلن [ لبيك اللهم لبيك ، لاشريك لك لبيك ...] ، وكأنه يقول: تركت الدنيا ومافيها ، وعجلت إليك ربي لترضى ، وها أنا عبدًا لك وحدك ، لا أهتم بغيرك ياربي ، بعد أن تجرد من ثيابه وزخرف الدنيا ، ويعلن توجهه إلى ربه عزوجل .
الحج هجر مؤقت للدنيا ومتعها الحسية:
وفي الحج يترك المسلم ما تعوده من طعام وشراب ، ويأكل ويشرب ما تيسر له دون كلفة أو مشقة ، ويتحرر من سيطرة العادات في المأكل والمشرب والنوم ففي المأكل اعتاد كثير من المسلمين على تعدد الأصناف وترتيبها على طاولة الطعام من مقبلات وفواكه وغيرها ، كما اعتادوا على وقت محدد للغداء وآخر للعشاء ، كما اعتاد كثير من المسلمين على تعدد أصناف الشراب من المرطبات والماء المثلج مما يصعب توفيره في رحلة الحج .