فهرس الكتاب

الصفحة 25179 من 27345

إلياس بلكا

الغيب ما لا سبيل للإنسان إلى إدراكه، ولذلك نرجع إلى الدين ونصوص الوحي للتعرف على أحداث ووقائع وعوالم لا نعلم عنها شيئًا، وهي مع ذلك حقيقية وموجودة.

من ذلك ما اصطلح العلماء على تسميته ب:"ميثاق الذر"، أو"عهد الذر"، فما هو هذا الميثاق وما قصته؟

الميثاق في القرآن:

يقول الله جل جلاله - في إشارة إلى هذا الميثاق: ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172) {الأعراف: 172} .

وقد فسر بعض العلماء الآية على معنى أن الله - تعالى - أخرج الذرية، وهم الأولاد، من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة، ثم صيرهم - تعالى -في أطوار من الخلق حتى استووا بشرًا سويًا، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم - وفي سائر خلقه - من دلائل الوحدانية وعجائب الصنع، فبهذا الإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى، وإن لم ينطقوا، فهذا كله على سبيل المجاز التمثيلي (1) .

بيانه من السنة:

وهذا الرأي - الذي قال به جماعة من المفسرين - صحيح بحسب مقتضيات اللغة وسياق الآية، لكن السنة لا تساعد عليه، حيث جاءت بعض الروايات في قصة"ميثاق الذر"تفيد وقوعها حقيقة لا مجازًا. والحديث - كما هو مقرر عند العلماء - مبين للقرآن الكريم ومفسر لمجمله، ولذلك كان أعلى أنواع التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالحديث والآثار.

وقد سئل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن الآية المتقدمة فحدث أنه سمع النبي {يقول فيها:"إن الله - تعالى -خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون..." (2) قال أبو عبدالله القرطبي: معنى هذا الحديث قد صح عن النبي من وجوه ثابتة كثيرة (3) ، ومنها ما رواه ابن عباس عن النبي الكريم: إن الله أخذ الميثاق من ظهر بني آدم - عليه السلام - بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قُبُلا، قال: ألست بربكم قالوا بلى"شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172 أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون 173 الأعراف: 172، 173} (4) ."

فهذا الحديث يثبت أصل الإخراج في عالم الذر، لذلك قال الطحاوي في عقيدته: ونؤمن بأن"الميثاق الذي أخذه الله - تعالى -من آدم وذريته حق" (5) . ثم جاءت روايات أخرى عن الرسول الكريم وبعض صحابته تفصل في القصة، ومن مجموعها يتحصل مايلي: (6)

عالم الذر:

لما خلق الله - تعالى -آدم، أخرج جميع أبنائه إلى الوجود، أي كل البشر من عهد آدم إلى آخر الناس الذين تقوم عليهم القيامة. وهذا الإخراج يحتمل أن يكون من ظهر آدم فقط، فيظهر كل أبنائه منه، ويحتمل أن الباري - سبحانه - أخرج من ظهر آدم بنيه لصلبه فقط، ثم أخرج بني بنيه من ظهور بنيه، وهكذا على حسب الظهور الجسماني في الدنيا إلى يوم القيامة، فاستغنى عن ذكر إخراج بني آدم من آدم بقوله:"من بني آدم" (7) .

لكن الناس لم يكونوا - حين الإخراج - كحالهم اليوم، بل كانوا - كما ورد في الحديث - كالذر، والذر يقال لصغار النمل، أو للهباء والغبار الدقيق الذي يطير في الهواء، أي أن الذر يضرب به المثل في الصغر، ومنه الذرة (8) ، وذر الله الخلق في الأرض نشرهم. وقد خلق الله - تعالى -في ذلك الذر العقل والفهم والنطق، حتى يستوعبوا العهد (9) .

ثم إن البشرية حين خرجت إلى عالم الذر انحصرت جميعًا قُدّام آدم ونظر إليهم بعينه - كما في رواية الترمذي -، وخاطبهم الله - سبحانه: ألست بربكم، فقالوا: بلى". قال القرطبي:"أخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره. فأقروا بذلك والتزموه، وأعلمهم أنه سيبعث إليهم الرسل، فشهد بعضهم على بعض" (10) . ثم أعادهم الباري إلى صلب آدم، فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ منه الميثاق (11) ."

فهذا هو القدر الذي اتفقت عليه الأحاديث والأخبار، وليس في بعض التفاصيل التي ذكرها بعض المفسرين كزمان أخذ العهد وكيفيته... نصوص ثابتة، ولا يضرنا جهل جزئيات القصة."وكل ما عسر على العقل تصوره يكفينا فيه الإيمان به، ورد معناه إلى الله تعالى" (12) .

عودة إلى الآية:

قرأ الكوفيون وابن كثير: ذريتهم، والمعنى أن البشرية كلها ذرية واحدة لآدم. وقرأ الباقون:"ذرياتهم"، والمعنى أن الله - تعالى -استخرج ذريات كثيرة، أي أجيالًا من الناس (13) .

واختلف المفسرون في القائل شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172 {الأعراف: 172} فقيل: لما قال الذر: بلى، قالت الملائكة: شهدنا بإقراركم، لئلا تقولوا كنا غافلين. وقيل: هو من قول بني آدم، المعنى: بلى شهد بعضنا على بعض (14) .

العوالم الثلاثة:

تثبت قصة الذر أن وجود الإنسان يمر بمراحل ثلاث:

الأولى: عالم الذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت