فهرس الكتاب

الصفحة 25180 من 27345

فهذا عالم حقيقي، وكل واحد منا شهده ووعاه، والظاهر أن الله - تعالى -لما رد الذر إلى ظهر آدم قبض أرواحهم (15) ، لقد"أشهد الله جميع خلقه على نفسه منذ البداية، ولم يتخلف عن تلك المشاهدة مخلوق سابق أو لاحق" (16) .

ولذلك قال الشيخ الطرطوشي:"إن هذا العهد يلزم البشر، وإن كانوا لايذكرونه في هذه الحياة. كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه" (17) .

الثانية: عالم الدنيا.

الثالثة: عالم الآخرة.

الفطرة من آثار"عهد الذر":

وقد رأى بعض العلماء أن فطرة الإيمان أصلها ذلك العهد البعيد الذي أخذه الله - سبحانه - على الإنسانية، ولذلك قالوا: إن الآية عامة تخاطب جميع الناس؛ لأن في قرارة كل واحد منهم شعورًا بأن له خالقًا ومدبرًا. وجاء إرسال الرسل تذكيرًا بالعهد، وإقامة للحجة لما ذهل البشر عن التوحيد (18) ؛ ولذلك كان للإنسان شعور - على الجملة - بعالم الغيب، كما قال الشعراوي في ميثاق الذر:"لولا هذه المشاهدة لما استطاع إنسان أن يستوعب قضية الإيمان بالغيب، وفي قمتها الإيمان بوجود إله" (19) .

ومصداق هذا حديث:"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (20) ، وكذلك الحديث القدسي:"إني جعلت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" (21) . قال أبو العباس القرطبي: حنفاء، جمع حنيف، وهو المائل عن الأديان كلها إلى فطرة الإسلام... و (الشياطين) يعني شياطين الإنس من الآباء والمعلمين... وشياطين الجن بوساوسهم، ومعنى اجتالتهم، أي صرفتهم عن مقتضى الفطرة الأصلية (22) .

خاتمة:

إن عالم الذر جزء من عالم الغيب الواسع، وهو مثال للقدرة الإلهية التي تقلب الوجود الإنساني في أطوار مختلفة، تدل كلها على أن لهذا الوجود غاية يسير إليها: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون 115 {المؤمنون: 115} .

*المصادر:

1-تفسير القرآن العظيم، لعماد الدين بن كثير. دار ابن كثير، دمشق، طبعة أولى 1994.

2-الجامع الصغير بشرح السراج المنير، لجلال الدين السيوطي. دار الفكر.

3-الجامع لأحكام القرآن، لأبن عبدالله القرطبي. دار الكتب العلمية، 1988.

4-حاشية أحمد الصاوي على تفسير الجلالين. راجعها عبدالعزيز الأهل، مطبعة عبدالحميد حنفي. القاهرة 1381.

5-شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتحليل، لأبي عبدالله ابن القيم. دار الكتاب العربي بمصر.

6-شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز تحقيق عبدالله التركي وشعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت. ط1، 1987.

7-لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، 1955.

8-مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد، لمحمد نووي الجاوي دار الفكر 1981.

9-الموت والحياة، لمحمد متولي الشعراوي، سلسلة مكتبة الشعراوي الإسلامية، مصر.

@@ الهوامش:

1-مراح لبيد، (306/1) ، الجامع لأحكام القرآن (200/7) .

2-رواه الإمام مالك في الموطأ، باب النهي عن القول في القدر، وكذا أبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان وابن أبي حاتم والطبري، لكن قال ابن كثير: كلهم من طريق مالك. والحديث حسنه الترمذي، انظر: تفسير ابن كثير (264/2) .

3-الجامع لأحكام القرآن (200/7) ، وانظر: شفاء العليل، ص: (24) .

4-رواه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي في كتاب التفسير من سننه، والطبري في جامع البيان، وأخرجه الحاكم في المستدرك وصحح إسناده؛ كما في تفسير ابن كثير (262/2-263) .

5-الطحاوية وشرحها (302/2) .

6-راجع هذه الروايات في التفاسير بالمأثور خاصة، ومنها تفسير ابن كثير (263/2-264) ، وقد أورد ابن القيم كثيرًا من هذه الأخبار في: شفاء العليل، ص (23) إلى (28) ، وكذا صاحب شرح العقائد الطحاوية (303/1) فما بعدها، وقصة الذر ثابتة عن ابن عباس من كلامه أيضًا، ومثلها لا يقال إلا عن توقيف.

7-حاشية الصاوي على تفسير الجلالين (106/3-107) شفاء العليل ص: (28) .

8-لسان العرب مادة ذرر (304/4) .

9-مراح لبيد (306/1) .

10-الجامع لأحكام القرآن (200/7) .

11-حاشية الصاوي (106/2) .

12-حاشية الصاوي (108/2) .

13-راجع: تفسير ابن كثير (265/2) ، الجامع لأحكام القرآن (202/7) .

14-الجامع لأحكام القرآن (202/7) ، مراح لبيد (306/1) ، حاشية الصاوي (106/2) .

15-حاشية الصاوي (107/2) .

16-الموت والحياة، لمحمد الشعراوي ص: (9) .

17-عن الجامع لأحكام القرآن (201/7) .

18-الجامع لأحكام القرآن (201/7) ، شفاء العليل ص: (28) ، تفسير ابن كثير (265/2) .

19-الموت والحياة ص: (9) .

20-رواه الطبراني في المعجم الكبير، وأبو يعلى، والبيهقي في السنن الكبرى عن الأسود ابن سريع، وصححه السيوطي، عن الجامع الصغير (96/3) .

21-رواه مسلم في باب تعليم الجاهل، من كتاب العلم، من صحيحه.

22-المفهم (712/6) .

*أستاذ بكلية الآداب، ظهر المهراز، فاس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت