الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد:
فإن الناظر الآن لحال الصفوة من هذه الأمة؛ من علماء وطلبة علم ومشايخ ودعاة وقصاص وواعظين؛ يرى أن القاسم المشترك بين الجميع إلا ما رحم ربي هو الخلاف, وأصبح الأصل هو الدعوة إلى الخلاف والتنديد والتحذير من المخالف.
حتى أصبح هَمُّ كثير من الشباب المتعثر في أول الطريق البحث عن العثرات, يخال أو يظن أن هتك ستر المخالف أصل؛ فإن لم يلتزم به الطالب المبتدئ فهو من المفرطين, وقد يتراءى للبعض أنه من الضالين, فأصبحت المجالس عامرة بذكر المخالف, قل أن يخلو مجلس إلا وفيه ذكر سقطة, أو إشارة إلى كبوة, أو تعريض بكلمة أو غمزة !!!
وهذا كله مع المخالف وقد يكون المخالف من أهل السنة والجماعة, ومن أهل العلم العاملين, وقد يكون من العُبَّاد الصالحين, بينما لا يبدي المتكلم مجرد نصيحة للموافق؛ حتى ولو أتى بكل منقصة وتعدى كل حد! حتى أن البعض بعد فترة من الزمان يشعر بملل من كثرة الكلام, أو سماع الكلام الذي يجلب على القلب الران, فينحرف عن الطريق.
ويجب أن نعلم أن الأصل هو الاتفاق لا الافتراق, والاتحاد لا التفكك , والاعتصام لا التشرذم.
قال تعالى: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء: 92] .
وقال تعالى: { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران: 105]
وقد حذرنا سبحانه وتعالى من متابعة الأمم الماضية في أسباب اختلافهم وهو نسيان حظ مما ذكروا به.
كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [البقرة: 213]
فقال تعالى عن اليهود: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]
وقال تعالى عن النصارى: { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [المائدة: 14]
وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك
فَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ . (رواه مسلم)
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاف والنزاع هو سبب الهلاك ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ . (رواه مسلم)
ولكن مشيئة الله - سبحانه وتعالى - قد اقتضت أن تتفاوت العقول ، وتتباين المدارك ؛ مما يؤدي إلى تعدد الآراء والاجتهادات ، وإن كان الخلاف من سنن الله الكونية كما قال تعالى: { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } [هود: 118 - 119] .
إلا أن الإرادة الشرعية في الاتفاق والاتحاد كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران: 103]
ويجب أن نعلم أن الخلاف الذي يقع بين الأمة ينقسم إلى قسمين: