فهرس الكتاب

الصفحة 20074 من 27345

"صلى الله عليه وسلم"

شعر:د. محمد إقبال

ترجمة: أبو الحسن الندوي

لقد عاش الدكتور محمد إقبال شاعر الإسلام وفيلسوف العصر -مدة حياته- في حب النبي صلى الله عليه وسلم، والأشواق إلى مدينته، وتغنى بهما في شعره الخالد، وقد طفح الكأس في آخر حياته، فكان كلما ذكرت المدينة فاضت عينه وانهمرت الدموع.

ولم يقدر له الحج، وزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم بجسمه الضعيف، الذي كان من زمان يعاني الأمراض والأسقام،

ولكنه رحل إلى الحجاز بخياله القوي، وشعره الخصب العذب، وقلبه الولوع الحنون، وحلق في أجواء الحجاز، وتحدث إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بما شاء قلبه وحبه، وإخلاصه ووفاؤه (1) ، وتحدث إليه عن نفسه، وعن عصره، وعن أمته، وعن مجتمعه.

الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بما شاء قلبه وحبه، وإخلاصه ووفاؤه (1) ، وتحدث إليه عن نفسه، وعن عصره، وعن أمته، وعن مجتمعه.

وقد فاضت في هذا الحديث قريحة الشاعر، وانفجرت المعاني، والحقائق التي كان الشاعر يغالبها ويمسك بزمامها، وينتظر فرصة إطلاقها، وقد رأى أن فرصتها قد حانت، وهذا أوانها ومكانها، فخاطب نفسه بقول الشاعر:

حمامة جرعى دومة الجندل، اسجعي ... ... فأنت بمرأى من سعاد iiومسمع

فكان شعره في النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه من أبلغ أشعاره وأقواها، وكان حشاشة نفسه، وعصارة علمه وتجاربه، وكان تصويرًا لعصره، وتقريرًا عن أمته، وتعبيرًا عن عواطفه.

لقد قال محمد إقبال هذه الأبيات، وهو يتخيل أنه مسافر إلى مكة والمدينة -شرَّفهما الله- يهوي به العيس، ويسير به الركب على رمال وعساء، يتخيل، بشدة شوقه وحبه، أنها أنعم من الحرير وأن كل ذرة من ذراتها قلب يخفق، فيطلب من السائق أن يمشي رويدًا ويرفق بهذه القلوب الخفاقة.

ويحدو الحادي بما لا يفهمه، فتثور أشجانه، وتترنح أعطافه، وتهيج شاعريته، وتنطلق قيثارته بشعر رقيق بليغ.

ثم يسعد بالمثول بين يدي الرسول، فيصلي ويسلم عليه بما يفتح الله به عليه.

وينتهز الفرصة، فيحدثه عن نفسه، وبلاده، والفترة التي يعيش فيها، وعن أمته، وعن الأزمات، والمشكلات التي تعانيها، وما فعل بها الزمان وطوارق الحدثان، وما فعلت بها هذه الحضارة الغربية، والفلسفات المادية، وما فعلت برسالتها والأمانة التي حملتها، وأين هي من ماضيها وخصائصها، يرثي لها تارة ويبكي ويشكرها مرة ويعاتب، ويشكو غربته في وطنه ووحدته في مجتمعه، وضيعة رسالته في أمته.

وقد سمى هذه المجموعة بـ (هدية الحجاز) ، كأنها هدية حملها من الحجاز لأصدقائه وتلاميذه، ولا شك أنها هدية مباركة للعالم الإسلامي، ونفحة فائحة من نفحات الحجاز.

يقوم الشاعر بهذه الرحلة الحبيبة، وقد أربى على الستين ووهنت قواه، في سن يفضل فيها الناس الراحة والإقامة، فما باله يسافر وهو شيخ، وقد أضعفه المرض والشيب؟ والسفر إلى الحجاز شاق مضن، وقد نصحه الأطباء، والأحبة بالراحة والهدوء، ولكنه يعصيهم ويطيع أمر الحب، يلبي منادي الشوق ويقول:

(لقد توجهت إلى المدينة رغم شيبي وكبر سني، أغني وأنشد الأبيات في سرور وحنين، ولا عجب فإن الطائر يطير في الصحراء طول نهاره، فإذا أدبر النهار، وأقبل الليل رفرف بجناحيه، وقصد وكره ليأوي إليه، ويبيت فيه) .

كأنه يقول:

-لماذا تعجبون إذا قصدت المدينة -وهي وكر طائر الروح ومأرز (2) المؤمن- في أصيل حياتي، وفي سن أشرفت فيها شمس الحياة على الغروب، أما رأيتم الطائر إذا جن الليل أسرع إلى وكره.

بدأ محمد إقبال سفره، وهو شيخ مريض، وسارت به الناقة بين مكة والمدينة سيرًا حثيثًا، وقد قال لها:

(رويدك يا حبيبتي! فإن راكبك لاغب، ومريض، وكبير السن، فمشت في نشوة وطرب ولم تبال، كأن الصحراء حرير تحت أرجلها) .

يسير الشاعر في هذا الركب الحجازي الذي يحدو بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

ويريد الشاعر أن يسجد سجدة على هذه الرمضاء، يدوم أثرها في جبهته طول حياته، ويقترح ذلك على أصحابه وزملائه.

ويملكه الشوق، فيحدو، وينشد أبياتًا من شعر العراقي (3) والجامي (4) فيتساءل الناس: من هذا الأعجمي الذي يغني ويحدو بلغة لا نفهمها، ولكنها نغمة تشجي القلوب، وتملؤها إيمانًا وحنانًا، حتى يذهل الرجل في هذه الصحراء عن الغذاء والماء؟!

ويلذ الشاعر بكل ما يعتريه في الطريق ولا يستبطئ الوصول، بل يقترح على سائقه أن يأخذ طريقًا أطول، حتى يعيش في هذه الأشواق، وفي هذا الحنين مدة أوسع، وتشتد لوعة الفراق، لأنها زاد العشاق ونزهة المشتاق.

وهكذا يطوي محمد إقبال هذه المسافة في سرور وحنين، حتى يصل إلى المدينة، فيقول لزميله:

-تعال يا صديقي! نبك سرورًا ونتحدث ساعة، ونرسل النفس على سجيتها فإن لنا شأنًا مع هذا الحبيب، الذي أسعدنا به الحظ، بعد طول فراق وشدة اشتياق.

ويقبل على نفسه، فيتعجب كيف اختص، من بين أقرانه، بهذه السعادة، ثم يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت