فهرس الكتاب

الصفحة 20075 من 27345

(لا عجب فإن المحبين المتيمين أكرم هنا من الحكماء المتفلسفين، يا سعادة الجد، ويا حسن الطالع!! لقد سمح لصعلوك مملوك، أن يدخل على السلاطين والملوك) .

ولا يلبث محمد إقبال -وهو في هذا الفيض من السرور والسعادة- أن يذكر أمته المسلمة، والشعب المسلم الهندي،يذكر آلامهما وآمالهما، فيذكر كل ذلك في بلاغة الشاعر، وحقيقة الرائد، وما أجملهما إذا التقتا. يقول:

(إن هذا المسلم البائس، الذي لا تزال فيه بقية من شمم وإباء، وأنفة الملوك وعزة الآباء، لقد فقد مع الأيام، يا رسول الله! لوعة القلب وإكسير الحب، إن قلبه حزين منكسر ولكنه لا يعرف سر ذلك) .

(بماذا أحدثك يا رسول الله؟ عن آلامه ورزيئته؟

حسبك أنه هوى من قمة عالية، إنه هبط من تلك العلياء التي وصلت به إليها، وكلما ارتفع المكان الذي يسقط منه الإنسان كان ألمه شديدًا، وكانت الصدمة عظيمة، فلطف الله بهذه الأمة المنكوبة، الهاوية من قمة المجد العالية).

(إنه لا يزال الزمان يعاديه، ولا يزال ركبه تائهًا في الصحراء، بعيدًا عن غايته ومنزله، حسبك من هذه الأمة، وما يسود فيها من الفوضى والاضطراب، إنها تعيش من غير إمام) .

(إن غمده فارغ ككيسه، فهو أعزل فقير، وإن الكتاب، الذي فتح به العالم، وضعه في بيته الخرب، على طاق تراكمت عليه الأتربة، ونسج عليه العنكبوت) .

(إنه أصبح، بطول عهده بالمغامرات والبطولات، لا يفهم لغة المغامرين، وإهابة الشجعان المجاهدين، وقد ألف نغمة المغنين، وعاش بين الزفرات والأنين) .

وإن عينه فقدت النور، وإن قلبه حرم السرور، إن رزيئته أنه يعيش ولا يعرف لذة الوصال والحضور).

ثم يذكر الفرق بين ماضية العظيم، الذي كان فيه موضع رعاية وعناية واحتفاء، وحاضره القاسي الكالح، وكيف صعب عليه أن يتقشف، ويعتمد على نفسه، ويكدح في الحياة.

وما أبلغ قوله:

(إنه طائر مدلل، كنت تطعمه بيدك، وقد ربيته بالفواكه، فشق عليه البحث عن رزقه وقوته في الصحراء) .

ويتذكر محمد إقبال فتنة اللادينية التي توجهت إلى العالم الإسلامي، ويعرف محمد إقبال -وهو من كبار علماء الفلسفة والسياسة وعلم الاقتصاد- أن سببها النظر المادي البحت، خواء الروح، وبرودة القلب، وباعثها هو الحياة المترفة الباذخة التي يعيشها كثير من الناس.

ويعتقد أنه لا سبيل إلى محاربة هذه اللادينية، والفلسفة الاقتصادية المادية إلا الحياة التي تقوم على الحب والزهد، والحياة التي كان يعيشها أبو بكر الصديق، المحب الزاهد، فيتمنى للمسلمين هذه الحياة المثالية التي يسيطر عليها الحب والزهد: وإذا وجدت هذه الحياة اضطر الناس إلى تقديرها وإجلالها.

إنه لا يعلل انحطاط المسلمين بالفقر، والضعف في المادة، بل يعلله بانطفاء تلك الشعلة التي التهبت في صدورهم، ويقول:

(إن أولئك الفقراء -المسلمين الأولين- لما عرفوا كيف يقومون أمام ربهم في صف واحد، استطاعوا أن يمسكوا بتلابيب الملوك، ولما انطفأت هذه الجذوة في صدورهم انطووا على نفوسهم، وأووا إلى الزوايا والتكايا) .

إنه يستعرض تاريخ المسلمين، فيرى فيه ما يخجل كل مسلم، يرى فيه ما لا يتفق مع الرسالة المحمدية وتعاليمها ومثلها العليا، ويرى فيه من شرك وعبادة لغير الله، وخضوع للجبابرة والطغاة ما يتندى له الجبين حياء.

يذكر (إقبال) ذلك كله ويطرق رأسه حياء وخجلًا، ويقول في صراحة واعتراف، وبلاغة وإيجاز:

(إن جملة القول، ما كنا جديرين بك يا رسول الله) .

ويلقي نظرة على العالم الإسلامي، وقد جال في أنحائه، وعرف مراكزه، فيشكو ضعفه وفقره المعنوي، ويقول في إجمال:

"إن المراكز الروحية (الرباطات والزوايا) أصبحت فقيرة، لا تملك غذاء القلب، ولا تحمل رسالة الحب."

والمراكز العلمية (المدارس بمعناها الواسع) طغى عليها التقليد، فهي تردد ما تلقنته في الماضي، في غير إبداع وابتكار؛ وهي كثور الطاحون يدور في دائرة واحدة.

أما أندية الشعر والأدب، فقد خرجت منها كئيبًا حزينًا، فليس في نغماتها وأفكارها ما يبعث الروح، ويثير الطموح؛ إنه شعر بارد، يخرج من قلب بارد، وأدب ميت يصدر عن أديب ميت"."

ويقول:

"قد ضربت في مشارق الأرض ومغاربها، فوجدت المدن تغص بالمسلمين الذين يفرقون من الموت، أما المسلم الذي يفرق منه الموت، فلم أرَ له عينًا ولا أثرًا".

ويذكر السر في ضعف المسلمين، وتشتت أهوائهم وخمودهم، فيقول:

"لقد شقّ عليَّ ما أراه من سوء حال المسلمين يومًا، وشكوت إلى ربي، فقيل: ألا تعرف أن هؤلاء يحملون القلوب، ولا يعرفون المحبوب؟! يعني أنهم يملكون مادة الحب، ولكنهم لا يعرفون من يشغلونها به، ويوجهونها إليه."

فقلوبهم تائهة، وعقولهم مضطربة، وجهدهم ضائع وعملهم ضعيف، وحياتهم لا لذة فيها ولا سرور"."

وهي حياة من رُزق القلب وحُرم الحب، أو حياة من عرف الحب، وجهل المحبوب؛ إنها، لا شك، حياة عذاب وشقاء، وحياة حَيرة وضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت