ولكنه رغم ذلك كلّه غير يائس من المسلمين، وغير قانط من رحمة الله؛ بل ينتقد رجال الدين في يأسهم من المسلمين، وقطعهم الرجاء من نهضتهم، وتعليقهم الأمل بغيرهم، ويقول في عتاب وتألم:
"إن أحوالهم وأحاديثهم تنم على أنهم يائسون من جميع أسباب الخير، وأنهم متشائمون، ينظرون إلى المسلمين، وإلى الحياة بمنظار أسود."
ويقول:
"إن المسلم، وإن كان قد تجرد عن أبهة الملك والسلطان، ولكن ضميره وتفكيره، لا يزالان ضميرَ الملوك وتفكيرهم، وإنه إن قدر له أن يعود إلى مركزه، كان جماله جلالًا، وكانت له سطوة لا تطاق".
وهنا يقبل محمد إقبال إلى نفسه، فتحكي حكايتها، ويشكو ما يعانيه من أهل عصره ومجتمعه.
يقول:
"إني أستحق العطف والعناية، فإني في صراع عنيف، وحرب دامية، مع عصري المادي".
ولا شك أن إقبال قضى حياته في صراع مع العصر الحاضر، وقد كفر بالحضارة الغربية والفلسفة المادية، وتحداهما وانتقدهما، وزيفهما في شجاعة وعلى بصيرة وخبرة.
وقد كان مربي جيل جديد،مؤمن بالله، واثق بنفسه، معتد بشخصيته وشخصية الإسلام، كافر بالأسس المادية والتفكير المادي، الذي قامت عليه الحضارة الغربية، وحق له أن يقول:
"لقد أذنت في الحرم، كما أذن بالأمس جلال الدين الرومي، فقد تعلمت منه أسرار الروح والحب، لقد كان ثائرًا على فتن عصره، وكنت ثائرًا على فتن عصري".
ويذكر تمرده على العلوم الغربية، وتفلته من شباكها، واحتفاظه بعقيدته، وإيمانه وخصائصه، ويقول بحق وجدارة:
"كنت كطائر يقع على شبكة، فيقرض الحبال، ويأخذ الحب، ويطير بسلام".
وكذلك كان، فقد ظفر بلب العلوم الغربية ولبابها، ورمى بقشورها، وخرج من حبائلها سالمًا.
ثم يقول في افتخار واعتزاز:
"يعلم الله! أني رحلتُ في أعماق هذه العلوم، واكتويت بنارها، من غير أن أرزأ في عقيدتي، وخلقي وصلتي بك، وقد جلست في نارها بشجاعة، وخرجت منها بسلامة، كما كان شأن إبراهيم -عليه السلام- مع نار نمروده".
وهنا يتذكر الشاعر حياته التي قضاها في أوروبا، بين الكتب الجافة، والفلسفة الدقيقة، والعلم الواسع، والجمال الفاتن، والمظاهر الخلابة؛ فيقول:
"لقد بقيت هذه المدة ذاهلًا عن نفسي، جاهلًا لشخصيتي؛ حتى لما وقع بصري عليّ لم أعرف نفسي".
ويقول:
"لقد اقتطفت من علوم الغرب شيئًا كثيرًا، وتناولت من خمر حانته كأسًا دهاقًا، يا له من صداع اشتريته! لقد عشت بين علمائه وفلاسفته، وبين غيده الحسان، يا لها من فترة مظلمة قضيتها من حياتي! حرمت فيها لذة الحب ونعيم القلب."
إن دروس الحكماء قد صدعت رأسي، وكدرت بالي؛ ذلك لأني نشأت في حضانة الحب والإيمان، فلا يناسبني ولا يملأ فراغ نفسي إلا العاطفة والحنان"."
وهنا يقبل الشاعر إلى الطبقة التي تمثل العلم والدين، فينتقد فيها الجفاف، واتساع العلم وتضخمه على حساب العاطفة والحب ولوعة القلب، فيقول:
"إن العالم الديني لا يحمل همًا، إن عينه بصيرة، ولكنها جافة لا تدمع، لقد زهدت في صحبته لأنه علم ولا همّ، وأرض مقدسة ولا زمزم".
لقد شبهه محمد إقبال بالحجاز، لأنه يحمل علمًا كثيرًا، وعقلًا كبيرًا، ولكنه مع الأسف رمال جافة، وجبال جرداء ليس فيها زمزم؛ ومكة ببيتها وزمزمها، ليست برمالها وبطحائها وجبالها فحسب.
فما أفقر العالم الديني الذي يحمل علمًا جمًا، ولسانًا بلغيًا، وعقلًا مستنيرًا، ولا يحمل دمعة في عينه، ولا لوعة في قلبه، إنه أخذ من الأرض المقدسة خشونتها وصلابتها، ولم يأخذ منها رطوبتها ونداها.
ثم يحكي عن نفسه، ويقول:
"إنني لم أبع نفسي وضميري لأحد، ولم أستعن بأحد في حل مشكلاتي، ذلك لأني اتكلت على غير الله مرة واحدة، فسقطت عن مقامي، وعوقبت بالهوان مئتي مرة".
ويندفع يشكو عصره ومجتمعه في حزن وألم، فيقول:
"إني أحترق بنار شوقي وحبي، وأستغرب أني خلقت في عصر لا يعرف الإخلاص، ولا يعرف سوى المادة والأغراض؛ في عصر لم يعرف لوعة القلب، ولم يذق الحب. أنا غريب في الشرق والغرب، أعيش وحدي، وأغني وحدي، وقد أتحدث إلى نفسي وأخفف من أشجاني وآلامي".
ويقول:
"إن إخواني لم يعملوا بما قلت لهم، إنهم لم يجنوا الرطب من نخل شعري، إليك أشكو يا سيد الأمم! من أناس لا ينظرون إليّ إلا كشاعر أو متغزل."
لقد أمرتني يا رسول الله! أن أبلغ إليهم رسالة الحياة والخلود، وأنشدهم بما ينفخ فيهم النشاط والروح، ولكن هؤلاء القساة يقترحون عليّ أن أنوح على الأموات في الشعر، وأنظم تاريخ الوفاة، فأين هذا مما أمرتني به"."
ويشكو، في توجع وحزن عميق، زهد أبناء عصره في العلم الذي كان يحمله، والرسالة التي يقوم بها في شعره، ويقول:
"عرضت قلبي عسى أن يستأسره أحد، فلم أر فيه راغبًا ولا له طالبًا، وأبحت ثروتي، وما يحويه صدري فلم أر لها مقدرًا؛ فليعمر حبك قلبي، وليشغل حديثك لساني، فإني لا أجد في العالم من هو أشد وحدة وأعظم غربة مني".