خطبة جمعة بمسجد محمد الفاتح
أعدها
أبو البراء عادل باناعمة
20/12/1426هـ
الحمد لله ذي القدرة القاهرة ، و الآيات الباهرة ، و الآلاء الظاهرة ، و النعم المتظاهرة ، حمدا يؤذن بمزيد نعمه ، و يكون حصنا مانعا من نقمه ، وصلى الله على خير الأولين و الآخرين ، من النبيين و الصديقين ، سيدنا محمد النبي ، و الرسول الأمي ، ذي الشرف العلي ، و الخلق السني ، و الكرم المرضي ، و على آله الكرام ، و أتباعه سرج الظلام ، ما امتد الدهر و تعاقبت الأيام .
و بعد فإن الله أمر بالتقوى ، في السر و الجهر ، و الخفاء و العلن ، لأنه سبحانه يسمع النجوى ، و يعلم السر و أخفى .
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته … }
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم … }
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدً … }
اللهم إنا نعوذ بك من أن قول كلمة لا ترضاها ، و نبرأ إليك من كل زلة غفل عنها القلب أو طاش بها الرأي ، و نضرع إليك أن تجعل حياتنا كلها و أوقاتنا كلها و أعمارنا كلها خدمة لك و لدينك ولكتابك .
وبعد ،،،
أن تجيءَ متأخرًا خيرٌ من ألا تجيء ...
كان هذا ما انقدح في ذهني وأنا أقلّب النظر في هذا الموضوع الخطير ..
كنت أمرُّ بحالةٍ غريبةٍ من الذهولِ الفكريّ ، والجمودِ الروحيِّ ، ألهتْني عن متابعةِ الحدثِ في وقتِهِ ، والتعليقِ عليه في إبّانِهِ ...
غيبوبةٌ هي إلا أنَّ صاحبها يتحرك ويمشي ويتكلمُ ويناقشُ !!!
وانفصالٌ عن الحياةِ تبقى معه الحياةُ !!!
موتٌ كلا موتٍ ، أو حياةٌ كلا حياةٍ ..
لا فرقَ .. فالأمرُ كما قالَ الشاعرُ:
نهضَ الموتى ! هوى من لم يمت !
كالنعاس الموت ؟ لا شيء ! خرافهْ !! [ البردوني ]
ولعلي لم أكنْ وحدي ..
فقد كان ثمّتَ ذهولٌ عميقٌ يلفُّ العالم الإسلاميّ من أقصاهُ إلى أقصاهُ !!
ذهولٌ بدتْ معه كل ردود الفعلِ أشبه بفرقعةٍ خافتةٍ في جوف قبوٍ هائلٍ مظلمٍ ...
ذهولٌ يشبهُ حالةَ بائسٍ مسكينٍ تخبّطه الضياعُ في متاهةٍ عقيمةٍ ، فآنسَ من جانب الجدارِ بابًا ظنّ فيه نجاتَهُ ، فلما جاءهُ وجده أشدّ شيءٍ ظلمةً ووحشةً !! فانكفأ يلوكُ بين شدقيهِ عبارة ( إلى متى ) ؟!!
ثلاثةُ أشهرٍ وعشرونَ يومًا مرت منذ أن تجرأت صحيفةُ ( جيلاندز بوستن ) الدانمركيّة على الإساءةِ لنبيّنا صلى الله عليه وسلم أشرفِ مخلوقٍ ، وأطهرِ إنسانِ ، وأرفعَ من خطا على هذه البسيطةِ .
فهذه مئةٌ وعشرةُ أيامٍ ، أو ألفانِ وستمئةٍ وأربعون ساعةً تصرَّمتْ على هذه الفعلةِ الشنيعةِ ... ثم أجيءُ أنا اليومَ بعد كل هذا الوقت لأتكلم عنها !!
تبًّا !!!
أيُّ غفلةٍ هذه ؟
وتبًّا مرةً أخرى .. فأنا لم أكن الغافلَ وحدي ..
كانت عيناي طوال هذا الوقتِ تعبرُ الوجوهَ ، وأذناي تلتقطُ الكلماتِ ، وبصري يلتهم السطورَ .. فلم أر سوى نَأَماتٍ هنا وهناك تنادي بصوتٍ مخنوقٍ يوشك أن يضيعَ وسط هدير الحياةِ الداوي !!
في عامِ اثنين وتسعمئةٍ وألفٍ للميلادِ تجرأ السياسيّ والمؤرخُ الفرنسيُّ هانوتو على القولِ بأنّه لا دواءَ للتعصّب الإسلاميِّ إلا نسفُ قبر النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم .. يومها مادتِ الدّنيا ، وارتجّتِ الأرضُ ، وكان الأمر على ما وصف أحمد محرّم:
غضب الحماةُ لدينِ أحمدَ غضبةً
نُصِرَ الإله بها وعزَّ المصحفُ
هاج الحماةُ فهاجَ كلُّ مشيعٍ
عجلِ الوقائعِ بالفوارسِ يعصفُ
ضجت شعوب المسلمين وراعهم
ظلمُ الألى لولا السياسةُ أنصفوا
[ ديوان محرم 53 ]
واضطرَّ هذا الوقح لأن يرجع عن رأيه في خطابٍِ رسميٍّ ألقاهُ من بعدُ .
وها نحنُ اليومَ نرى التطاولَ على ذاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا على قبرِهِ فحسبُ ، فما الذي حدث ؟
لم تتراجعِ الدانمارك .. بل أقدمت مجلة نرويجيةٌ على إعادة نشر الصورِ ذاتِها بعد مئةِ يومٍ وفي يوم عيد الأضحى !!!! مشفوعًا بتعليقٍ لرئيس التحرير يقول فيه:"إنّ حرية التعبير في منطقتنا مهدّدةٌ من دين ليس غريبًا عليه اللجوء الى العنف".
ألم أقلْ لكم: إنّها حالةُ ذهولٍ غريبةٍ لم أكنْ فيها وحدي !!!
دعوني بعد موجةِ الارتباكِ هذه ألملم أطرافَ الموضوعِ وأروي لكم الحكايةَ من أولها ...