إبراهيم الأزرق*
مقدمة:
الحمد لله خص هذه الأمة وميزها عن سائر الأمم بالإسناد، فليس لأحد من الأمم كلها إسناد موصول إلى رسول، وإنما هي صحف ورقاع، اختلط فيها ما نزل من السماء، بما خطته الأهواء، فلا تمييز لما جاءت به الأنبياء عما أقحمته الأدعياء، لم تتميز إلاّ هذه الأمة المرحومة المعصومة، وصلى الله وسلم على البشير النذير والسراج المنير القائل: (من حدث بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذِبِين) [1] (ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) [2] ، وبعد:
سأقتصر في هذه الأوراق على الآثار التي سُئل عنها، وكنت أعزم قبل البدء على ذكر فصل يحسن إدخاله وفيه بيان فضل نبينا صلى الله عليه وسلم، من القرآن الكريم، والسنة الثابتة، ولكني خشيت أن يطول المقام ولم أوف، فآثرت الاكتفاء بما خطه علماؤنا الأجلاء في الخصائص والشمائل والسير، ثم حداني العجز إلى الترنم بقول القائل:
وهل يطلب مسلم بيان الدليل على فضل الشفيع الجليل؟ ألم يسمع بالمقام المحمود ألم يذكر له الحوض المورود! ثم ماذا أقول؟ أأقول أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أفضل الخلق؟
إن الواحد نصف الإثنين، والمعروف لا يعرف، وما يدرك بالحس أو بالشم أو بالذوق أو باللمس أو بالإبصار لايستدل عليه، وماعلم من الدين بالضرورة لا يفتقر إلى دليله مسلم، وهكذا فضل نبينا صلى الله عليه وسلم- معلوم بالاضطرار، تضافرت عليه أدلة الكتاب الصريحة، والسنة الصحيحة، علمها العامي مع أهل التحقيق فلسنا بحاجة إلى بنيات الطريق.
أخا الإسلام، إن الحق أبلج، فاسلك يدك بغرزه، وانفض يدك وترجل عن كل قول ليس له خطام أو زمام، فإن نبينا -صلى الله عليه وسلم- في غنية عنه.
وقبل أن أشرع في بيان الأحاديث، أنبه على مسألتين:
الأولى: ليس هنا مزية لكون الشيء سابقًا لغيره في الزمان، بل قد يأتي الفاضل بعد المفضول، فأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- هي خير الأمم، وجاءت في الختام، وإبليس سبق خلقه أبا البشر آدم عليه السلام، وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام خير من أنبياء وقبائل وشعوب بادت قبل مولده.
فعلام يحتدم الجدل، ولماذا تضيع الأوقات ولا طائل!
الثانية: على طلبة العلم أن يشغلوا أنفسهم بما ينفع، مما يثمر عملًا صالحًا، وأن يتركوا المراء والجدل، فإنه لايأتي بخير، وقد قيل: إذا أراد الله بقوم سوءًا أعطاهم الجدل، ومنعهم العمل:
أما الحديث الأول: (أنا أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا) . فهو نفس الحديث الثاني: (إن الله خلقني قبل النبيين وبعثني بعدهم فبدأ بي قبلهم) ، ذكره بعض أهل العلم بمعنى قريب منه (انظر تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير 3/470) فالكلام فيهما واحد.
فالمرفوع منه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ضعيف، والأشبه أنه مرسل من قتادة رحمه الله [3] ، ومع ذلك فلأهل العلم في بيان معناه كلام معروف لا إشكال معه.
وهذه الألفاظ جاءت في رواية الإمام أبي جعفر ابن جرير الطبري، في تفسير سورة سبحان، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في بعض روايات أحاديث الإسراء وهي مطولة جدًا، قال ابن كثير -رحمه الله-:"وفيها غرابة" (تفسير القرآن العظيم 3/18) ، وقد ساقها ابن جرير في تفسيره (15/6) من حديث:
علي بن سهل، حدثنا حجاج، حدثنا أبوجعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره. وقد ساق الأثر أيضًا في تهذيب الآثار من نفس الطريق برقم (727) 1/422.
وقد روى هذا الأثر أيضًا ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (3/373) من طريق جعفر بن أحمد بن عاصم ثنا هشام بن عمار ثنا بقية حدثني سعيد بن بشير حدثني قتادة عن الحسن عن أبي هريرة، ثم قال ابن عدي:"وهذا يرويه عن قتادة سعيد بن بشير وخليد بن دعلج، وقد ذكر رواية خليد بن دعلج له في الكامل من طريق البزار (3/49) عندما ذكر خليدًا بلفظ (كنت أول الناس) . ولكنه في سياق تفسير قول الله تعالى: (وإذ أخذ الله من النبيين ميثاقهم) الآية."
قال ابن كثير (التفسير 3/470) :"قال ابن أبي حاتم, حدثنا أبو زرعة الدمشقي, حدثنا محمد بن بكار, حدثنا سعيد بن بشير, حدثني قتادة, عن الحسن, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث فبدأ بي قبلهم) . سعيد بن بشير فيه ضعف؛ وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفًا والله أعلم".
وذكروا أن ابن أبي حاتم رواه في تفسيره كما ذكر السيوطي في الدر المنثور في الأحاديث المشتهرة، ولم أجده عنده في تفسير الآية، فليحقق.
وفي هذين السياقين ذكر أهل العلم الحديث فرواه أبوالقاسم الطبراني في مسند الشاميين (4/34) من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا.