د.صالح بن عبدالله بن حميد
مقدمة
لعل من المناسب التقديم بكلمات مختصرة, وإشارات موجزة حول ضوابط النظر في النوازل والمتغيرات في اجتهادات الفقهاء وكلام أهل الأصول - رحمهم الله - مربوطًا ذلك بخوض بعض المعاصرين المنتسبين إلى الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي, مما يستدعي ترسيخ النظر في الضوابط, وتأكيد ثوابت الشرع المطهر, مع وفائه التام بحاجة البشرية في كل مستجداتها ونوازلها.
نزلت شريعة الإسلام وحيًا من عند الله تبارك وتعالى تحمل في أصولها ما يعالج قضايا الإعتقاد ويرسي قواعد العدل والمصلحة, والرحمة في الأحكام واستقامة السلوك.
وخلود الشريعة, وكمالها, وتمام النعمة بها يصدق بنصوصها وأصولها الثوابت منضمًا إلى ذلك مجالات الاجتهادات النابعة من أصالة الفكر في تفهم النصوص ومقرراتها, وفي حسن تطبيقها في كل ما يجد في الحياة من وقائع, وما يلم بها من تطورات ومتغيرات بسبب إحداثات الفكر الإنساني, وتلوث البيئات والتحولات في المجتمع وما تقتضيه سنن الله في هذا.
والاجتهاد في تفسير النصوص أو النظر في الوقائع لتنال حكمها في الشرع, كل ذلك طريقه, إما النص في المنصوص عليه, وإما فهم النص فيما لم ينص عليه, ولا يكون ذلك إلا لذي الرأي الحصيف, المدرك لعلم الشرع الشريف.
وفي هذا يقول أبو حامد الغزالي:
"وأشرف العلوم ما ازدوج فيها العقل والسمع, واصطحب فيه الرأي والشرع. وميدان هذا علم أصول الفقه, فإنه يأخذ في هذا سواء السبيل, فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول, ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له عقل بالتأييد والتسديد".
وذلكم هو ميدان الاجتهاد من أجل تحصيل الحكم الشرعي في مسألة غير من منصوصة.
وبتعبير آخر:هو بذل المجهود في طلب المقصود من جهة الاستدلال.
والاجتهاد يشمل الدقة في فهم النص, وفي طريقة تطبيق حكمه, أو في مسلك ذلك التطبيق على ضوء الملاءمة بين ظروف النازلة التي يتناولها النص, والمقصد الذي يستشرفه النص نفسه من تطبيقه.
يوضح ذلك شمس الدين ابن القيم في عبارة سلسة مبينًا نهج الصحابة - رضوان الله عليهم - فيقول:
"...فالصحابة - رضي الله عنهم - مثلوا الوقائع بنظائرها, وشبهوها بأمثالها, وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها, وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد, ونهجوا لهم طريقة, وبينوا لهم سبيلة".
وليس المقصود بالاجتهاد التفكير العقلي المجرد, فهذا ليس منهجًا مشروعًا, بل هو افتئاب على حق الله في التشريع, حتى ولو كان جادًا بعيدًا عن الهوى, مادام أنه لم ينطلق من مفاهيم الشرع, ومبادئه, وأصوله, وحقائق تنزيليه, ومثله العليا ومقاصده الأساسية.
ومن أجل هذا فإن نطاق الاجتهاد الشرعي يتمثل في فهم النصوص الشرعية, وتطبيقاتها, ودلالتها, وقواعد الشرع المرعية.
يقول أبو حامد الغزالي:
"اعلم أن العلم في قسمين: أحمدهما شرعي, والآخر عقلي, وأكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها, وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) ."
فالعلوم الشرعية أكثرها عقلي؛لأنه لابد فيها من استعمال طلاقة العقل, وكذلك أكثر العلوم العقلية شرعي عند التحقيق, لأنه لابد من مراعاة قيد الشرع, والجمود والتقليد لا يكونان فقط بالكف عن استعمال العقل, وإنما يكونان أيضًا بالفصل بين ما هو شرعي وما هو عقلي, والاستغناء بأحدهما عن الآخر؛ فعدم استعمال العقل في الشرعي جمود وتحجر, وكذلك عدم الاهتداء بالشرع في العلوم العقلية جمود وتحجر،
لأن الحق الواصل عن طريق الوحي لا يتعارض مع الحق الواصل عن طريق العقل الصحيح بالبحث والنظر"."
مصادر التشريع
ومصادر التشريع الأساسية هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس, ثم بعدها مصادر توصف بالمصادر التبعية, أي أنها مبنية على هذه المصادر ومنبثقة منها وفي إطارها لا تعدوها ولا تخرج عنها.
-من أبرز هذه المصادر التبعية وما يتعلق بها:
المصلحة المرسلة, والعرف, والاستحسان, والاحتياط, وسد الذرائع, وقاعدة الضرر والضرورات, وعموم البلوى, والاستصحاب, والبراءة الأصلية, والمقام ليس مقام بسط للحديث عن هذه المصادر كلها.
-وفي مدخل هذا الموضوع يقال:
إن هذه المصادر من العرف, والاستحسان, والمصلحة هي المحك الدقيق والمرتقى الصعب في النظر فيما بسطه علماء الأصول والقواعد - رحمهم الله - حينما بحثوا في أعراف الناس وحاجاتهم وضروراتهم, وأثر المتغيرات والأحداث على استمساكهم بدينهم, وانتظام أمور معايشهم, فكان ذلك معتركًا دقيقًا يجب التثبت فيه على ما سوف يتبين إن شاء الله.
-وعليه فإن الحديث سيكون متناولًا مسألتين رئيسيتين:
أولاهما: استعراض لبعض هذه المصادر التي تعد قواعد أساسية ينبني عليها التغير والتجديد, مع إنهاء الحديث في كل مصدر بما يضبطه بخصوصه.
ثانيتهما: ضوابط عامة في النظر في المتغيرات.
أولًا: استعراض لبعض المصادر في التشريع: