فهرس الكتاب

الصفحة 17581 من 27345

سوف يقتصر الكلام على المصادر التالية:

(المصلحة المرسلة - الاستحسان - سد الذرائع والاحتياط - عموم البلوى - العرف) .

1-المصلحة المرسلة:

هي المصلحة التي شهد الشرع لجنسها, بمعنى أنها تدخل تحت أصل شهدت له النصوص في الجملة. وليست هي المصلحة الغريبة التي لم يشهد النصوص لنوعها حتى تكون قياسًا, ولا لجنسها حتى تكون استدلالًا مرسلًا, فهذه الأخيرة ليست حجة عند أحد من الأئمة, والغزالي الشافعي, والشاطبي المالكي يحكيان إجماع أهل العلم على رد المصالح الغريبة' ويُدخلانها في باب الاستحسان الذي رده الشافعي - رحمه الله - وشدد النكير على القائلين به, وهو غير الاستحسان الذي روي عن مالك وأبي حنيفة - رضي الله عنهما - والأخذ به. فهذا الأخير استدلال بنص, أو إجماع, أو عرف, أو مصلحة في مقابلة عموم أو قياس. وهو الذي ستأتي الإشارة إليه.

غير أن الأخذ بالمصلحة المرسلة لابد فيه من أمور:

الأول:أن تكون معقولة بحيث تجري على الأوصاف المناسبة التي إذا عرضت على أهل العقول تلقتها بالقبول.

الثاني:أن يكون الأخذ بها راجعا إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم في الدين؛ بحيث لو لم يأخذ بالمصلحة المعقولة في موضعها لكان الناس في حرج شديد.

الثالث:الملاءمة بين المصلحة التي تعد أصلًا قائمًا بذاته وبين مقاصد الشارع, فلا تنافي أصلًا من أصوله, ولا تعارض دليلًا من أدلته, بل تكون منسجمة مع المصالح التي يقصد الشارع إلى تحصيلها, بأن تكون من جنسها ليست غريبة عنها.

والمصلحة أو الاستصلاح باب واسع ومدخل عريض, قد يدخل منه من لا يفقه في الشريعة ولا يدرك مراميها, ومن أجل هذا منع منه من منع من المجتهدين خشية من هذا الباب.

ومن المقرر والمعلوم أن الشريعة تراعي مصالح العباد, وباب الاجتهاد مفتوح فيما لا نص فيه, ولكن للاجتهاد شروطه وللمصلحة ضوابطها وحدودها.

فليس مرد المصلحة إلى تقرير الناس فيما يكون به الصلاح والفساد, فإذا حسب الناس أن التعامل بالربا - مثلًا - قد بات مصلحة نحتاج إليها, ولا يقوم أمر الناس إلا بها, فهو بمقتضى هذا الضر مصلحة حقيقية, وعلى الشريعة بما التزمته من تحقيق مصالح الناس ورفع الحرج عنهم أن تتسع لقبول هذا الحكم, لأنه قد رأى ذلك علماء في الاقتصاد, وخبراء في التجارة من أجل تنشيط الحركة التجارية والنهوض بها.

وقد يرى بل قد يتفق علماء التربية وعلماء النفس على أن الجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع يهذب الأخلاق, ويخفف من شدة الميل الجنسي, ويمكن من استخدام كافة القوى البشرية المتاحة من أجل التنمية, فلا يبقى نصف المجتمع معطلا, فهو مصلحة ينبغي تحقيقها والشريعة تراعي تحقيق المصالح.

وقد يقول الأطباء: أن لحم الخنزير ليس بمستخبث, وإن أكله لا يعقب أي آثار سيئة في الخلق والجسم.

إن تقدير ما به يكون الصلاح والفساد عائد إلى الشريعة نفسها, قد وضع ذلك في مقاصد الشريعة الخمسة وهي: حفظ الدين, وحفظ النفس, وحفظ العقل, وحفظ النسل, وحفظ المال.

وبناء عليه؛ فإن كل ما توهمه الناس مصلحة مما يخالف تلك الأسس العامة في جوهرها, أو الترتيب فيما بينها, أو يخالف دليلًا من الأدلة الشرعية من كتاب, أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح ليس من المصلحة في شيء, وإن توهمه من توهمه.

أما نتائج خبرات الناس وتجاربهم فيجب عرضها على نصوص الشريعة وأحكامها الثابتة, فما وافقها أخذ به, والحكم في ذلك للنصوص الشرعية ومقاصد الشريعة, وما خالف ذلك فيجب طرحه وإهماله واعتباره مصلحة ملغاة.

ويجب أن يفهم أن الشارع لم يلغ مصلحة دلت عليها تجارب الناس وعلومهم, بل الواقع أن تقدير هؤلاء المجربين والخبراء للمصلحة كان خطأ, صاحبه خلل نابع من هوى في نفس المجرب, أو خطأ في وسائل التجربة, أو نقص في الاستقراء, فنحن نتهم تقدير هؤلاء, ولا نتهم نصوص الشريعة.

نخلص من ذلك إلى أن الخبرات العادية, والموازين العقلية, والتجريبية المحضة لا يجوز أن تستقل وحدها بفهم مصالح العباد وتنسيقها.

إن مدار المصلحة التي ينبني عليها الحكم الشرعي هي المصلحة الشرعية, والمصلحة الشرعية ليس لها طريق غير الوحي.

أما المصلحة الدنيوية فلا اعتبار لها في نظر المسلم عند مخالفتها للنص الشرعي.

2-الاستحسان:

عرفه ابن رشد المالكي فقال:"إنه طرح لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه, فيعدل عنه في بعض المواضع, لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع".

وعرفه أبو الحسن الكرخي الحنفي حيث قال:"هو العدول عن الحكم في مسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه بوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول".

فالاستحسان نوع من الترجيح بين الأدلة, وحقيقته كما يلاحظ, وكما يصرح به كثير من الأصوليين أنه أخذ بأقوى الدليلين.

أنواع الاستحسان:

ينقسم الاستحسان من حيث ابتناؤه على الأدلة الشرعية إلى أربعة أقسام:

أ.الاستحسان بالنص:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت