فهرس الكتاب

الصفحة 9498 من 27345

صالح بن عبدالله بن حميد

دار الوطن

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:

إن هزائم الأمم وانتكاسات الشعوب لا ترجع إلى الضعف في قواها المادية ولا إلى الضعف في معدات الحربية، من يظن هذا الظن ففكره قاصر ونظره سقيم، إن الأمم لا تعلو - بإذن الله - إلا بضمانات الأخلاق الصلبة في سير الرجال. بل إن رسالات الله ما جاءت إلا بالأخلاق وإتمام الأخلاق بعد توحيد الله وعبادته،"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"، الأخلاق الفاضلة يضعف أمامها العدو، وينهار بها أهل الشهوات.

حينما يكون المجتمع صارما في نظام أخلاقه وضوابط سلوكه، غيورا على كرامة فرده وأمته، مؤثرا رضا الله على نوازع شهواته، حينئذ يستقيم مساره في طريق الحق والصمود والرفعة والإصلاح.

والأخلاق - أيها الأخوة - ليست شينا يكتسب بالقراءة والكتابة، ولا بالمواعظ والخطابة، ولكنها درجة بل درجات لا تنال - بعد توفيق الله ورحمته - إلا بالتربية والتهذيب، والصرامة والحزم، وقوة الإرادة والعزم.

أخي الفاضل: وبين يديك في هذه النشرة حديث عن مقياس دقيق من مقاييس الأخلاق، ومعيار جلي من معايير ضبط السلوك..

إنه حديث الغيرة، الغيرة يا أخي رعاك الله. الغيرة، الغيرة على الأعراض، وحماية حمى الحرمات.

يا أيها الغيور: كل امرئ عاقل بل كل شهم فاضل لا يرضى إلا أن يكون عرضه محل إلغاء والتمجيد، ويسعى ثم يسعى ليبقى عرضه حرما مصونا لا يرتع فيه اللامزون ولا يجوس حماه العابثون.

إن كريم العرض ليبذل الغالي والنفيس للدفاع عن شرفه، وإن ذا المروءة الشهم يقدم ثروته ليسد أفواها تتطاول عليه بألسنتها أو تناله ببذيء ألفاظها. نعم إن الشهم ليصون عرضه بالمال فلا بارك بمال لا يصون عرضا، بل لا يقف الحد عند هذا فإن صاحب الغيرة ليخاطر بحياته ويبذل مهجته ويعرض نفسه لسهام المنايا عندما يرجم بشتيمة تلوث كرامته. يهون على الكرام أن تصاب الأجسام وتسيل الدماء،؟ لتسلم العقول وتحفظ الأعراض. وقد بلغ ديننا في ذلك الغاية حين أعلن نبينا محمد: { من مات دون عرضه فهو شهيد } .

أخي حماك الله: بصيانة العرض وكرامته يتجلى صفاء الدين وجمال الإنسانية، وبتدنسه وهوانه ينزل الإنسان إلى أرذل الحيوانات البهيمية.

يقول ابن القيم رحمه الله:"إذا رحلت الغيرة من القلب ترحلت المحبة بل ترحل الدين كله".

ولقد كان أصحاب رسول الله من أشد الناس غيرة على أعراضهم. روي عن رسول الله أنه، يوما لأصحابه: { إن دخل أحدكم على أهله ووجد ما يريبه أشهد أربعا } ، فقام سعد بن معاذ متأثرا فقال: يا رسول الله: أأدخل على أهلي فأجد ما يريبني، أنتظر حتى أشهد أربعا لا والذي بعثك بالحق!! إن رأيت ما يريبني في أهلي لأطيحن بالرأس عن الجسد ولأضربن بالسيف غير مصفح وليفعل الله بي بعد ذلك ما يشاء، فقال!! { أتعجبون من غيرة سعد!! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن } الحديث وأصله في الصحيحين.

من حرم الغيرة حرم طهر الحياة، ومن حرم طهر الحياة فهو أحط من بهيمة الأنعام، ولا يمتدح بالغيرة إلا كرام الرجال وكرائم النساء.

إن الحياة الطاهرة تحتاج إلى، عزائم الأخيار، وأما عيشة الدعارة فطريقها سهل الانحدار والانهيار، وبالمكاره حفت الجنة، وبالشهوات حفت النار.

أخي المسلم: إن الأسف كل الأسف والأسى كل الأسى فيما جلبته مدنية هذا العصر من ذبح صارخ للأعراض ووأد كريه للغيرة.. تعرض تفاصيل الفحشاء من خلال وسائل نشر كثيرة، بل إنه ليرى الرجل والمرأة يأتيان الفاحشة وبواعثها ومثيراتها، يشاهدان وهما يعانقان الرذيلة غير مستورين عن أعين المشاهدين والنظارة، لقد انقلب الحال عند كثير من الأقوام بل الأفراد والأسر حتى صار الساقطون الماجنون يمثلون الأسوة والقدوة ويجعلون من فكرهم وسلوكهم وحركاتهم وسام افتخار وعنون رجولة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

تصوروا - رعاكم الله وحماكم - خبيثا وخبيثة يقفان على قارعة الطريق ليمارسا الفاحشة علانية كما تفعل البهائم من الحمير والخنازير - أعز الله مقامكم ونزه أسماعكم -. هل غارت من النفوس الغيرة؟ وهل غاض ماؤها؟ وهل انطفأ بهاؤها؟ هل في الناس دياثة؟ هل فيهم من يقر الخبث في أهله أ لا يدري الغيور من يخاطب ! ! هل يخاطب الزواني والبغايا وإلا فأين الكرام والحرائر؟!

إعلان للفحشاء بوقاحة، وإغراق في المجون بتبجح.

أغان ساقطة، وأفلام آثمة، وسهرات فاضحة، وقصص داعرة، وملابس خالعة، وعبارات مثيرة، وحركات فاجرة، ما بين مسموع ومقروء ومشاهد في صور وأوضاع يندى لها الجبين في كثير من البلاد والأصقاع إلا من رحم الله. على الشواطئ والمنتزهات، وفي الأسواق والطرقات. ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل.

حسبنا الله من أناس يهشون للمنكر، يودون لو نبت الجيل كله في حماة الرذيلة، وحسبنا الله من فئات تود لو انهال التراب على الفطرة المستقيمة والحشمة الرفيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت