فهرس الكتاب

الصفحة 3490 من 27345

حسن عبد الحميد*

تستمد القيم الإسلامية روعتها وسموها وجلالها من كونها صادرة من لدن حكيم خبير، وتكتسب قوتها وفعاليتها من ارتباطها بالعقيدة، وتفيض بركاتها ومِنَحُها بسبب توفرِ الإخلاص واليقين في نفوس المسلمين المتحلين بها الناهلين من نبعها. وقد حاول كثير من الفلاسفة والمصلحين الاجتماعيين ـ من غير المسلمين ـ وضع تصور للقيم والأخلاق ورسم صورة للمجتمعات الفاضلة، فجاءت محاولاتهم مرتبطة بما جُبل عليه الإنسان من جهل وظلم وضعف من ناحية، ومن ناحية أخرى لم تجد التطبيق على الواقع ـ على قصورها ـ لانعدام الدافع والمحفز للتحلي بهذه القيم. فأين الثواب والنعيم للذين يتمثلونها في سلوكهم؟ وأين العقاب والعذاب على من يخالفونها ؟، بل من يملك هذا سوى رب العالمين؟

ومن المعاني القيمة التي دعا إليها الإسلام ورعاها؛ معنى الأخوة في الله ، فقد قرر سبحانه وتعالى هذا المبدأ في القرآن الكريم بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ؛ فهذا رابط يجب أن يستشعره كل من اتصف بصفة الإيمان وتمتع بعقد الإسلام نحو بقية المسلمين؛ رابط يستجيش عاطفته الدفاقة تجاه إخوانه المؤمنين في كل عصر ومصر بكل ما تحمله كلمة الأخوة من سلامة صدر ونقاء سريرة، وما يتبعه ـ بالضرورة ـ من محبة وانسجام ورحمة ووئام، وما يقتضيه من إغاثة عند العوز، وإعانة عند الحاجة، وتفريج همٍّ عند الضرورة.

والأخوة منة ينعم بها الله تعالى على عباده الصالحين فتأتلف قلوبهم وتتوثق روابطهم؛ كما أنعم على الجيل الأول والرهط المبارك من الصحابة رضوان الله عليهم (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُم) ، جاء هذا التأليف بعد امتحان للقلوب واختبار للنوايا فلما صدقوا نزلت عليهم النعمة وغشيتهم الرحمة .

ولأمر ما كان أو عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلي المدينة ـ بعد بناء المسجد ـ هو مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، إذ بهذه المؤاخاة شدت لبنات المجتمع الإسلامي إلي بعضها البعض، وارتفع صرح الجماعة الإسلامية عاليًا متينًا فاستعصى على محاولات الهدم والتخريب التي سعى بها يهود المدينة وأعوانهم من المنافقين والمرجفين، وقد ضربوا في ذلك أروع الأمثلة مما تفيض به كتب التاريخ وتزدان به مصنفات التراجم والسير، حتى قال القائل واصفًا موقف الأنصار من المهاجرين:

ولا عجب، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم معهم يسدد خطواتهم ويوجه أعمالهم، والقرآن الكريم يبني بهذه المجموعة المباركة مجتمع القدوة ومنارة التأسي ليستضئ المسلمون من بعدهم بنورهم الساطع، ويقتفوا آثارهم الواضحة، كلما ادلهمت بهم الخطوب، ونابتهم نوائب الحياة.

وفي زمان المادية الطاغية المعاصرة الذي نعيشه، حيث يقاس كل إنسان بما يملك من أصول ويوقر بقدر ما يحوز من نفوذ، ما أحوجنا إلى معنى الأخوة في الله وما أعوزنا إلى أن نتحلى به وننشره بين المسلمين حتى نجد حلاوة الإيمان، ونتذوق نعيم الأخوة الخالصة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وان يحب الرجل لا يحبه إلا لله وان يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) ).

وللأخوة الصادقة حلاوة لا يعرفها إلاّ من عاشها، حلاوة لا تدرك بمجرد العلم والمعرفة، وكما قيل:

والذين عاشوا الأخوة في الله، وجدوا الطمأنينة والسلام في عالم يعاني من القلق والتوتر، وتيقنوا أن الأخ الحقيقي ليس بالضرورة أن تلده أمك، فنعموا بالعديد من الإخوان ينتشرون في بقاع الأرض بعضهم رأوهم وعايشوهم وبعضهم تبادلوا معهم الحب الصافي والمودة الخالصة على تباعد المسافات، وقد حُكِىَ أن احد الدعاة كان يجهش بالبكاء كلما زار بلدًا أوروبيا فيجد العديد من إخوانه يستقبلونه في المطار ويعانقونه بشوق شديد ويخدمونه وهو لم يرهم من قبل.

إن الحضارة الغربية الفاجرة ساهمت في تفكيك علاقتنا بعد أن جزّأت أوطاننا، وأثرت في صياغة أخلاقنا بعد أن استباحت مناهج تعليمنا ووسائط إعلامنا. فنتج عن ذلك مسخ مشوه من المجتمعات لا هي بالمجتمعات الإسلامية ولا هي بالمجتمعات الغربية، ولعل من أكبر العوامل في بناء مجتمعاتنا وصياغة أخلاقنا على المنهج الإسلامي تمثل روح الأخوة في الله، ونشرها في كل المجتمعات الإسلامية، ذلك أن أولى علامات العافية لهذه المجتمعات هو الشعور بالجسد الواحد، والتداعي بالتالي إلى سد الثغرات وإزالة التشوهات ، والأخوة في الله كفيلة ـ بإذن الله ـ بإحداث النهضة الاجتماعية التي ننشدها وعودة المجتمع الإسلامي مرة أخرى إلى الشهود والوجود ، ليهدي الحائرين ويسعد البائسين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت