ذكر الله
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
( الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار ) [ آل عمران:191]
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ألا أُنَبِّئكُم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ ! قالوا: بلى يا رسول الله ! قال:"ذكر الله") . [ رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم ] (1)
لقد اختلفت الصورة والمعاني للحديث المذكور أعلاه لدى بعض المسلمين . ولو نظرنا في واقعنا لرأينا الكثيرين يتفلَّتون من مسؤولياتهم ويركنون إلى القعود أو إلى الجري اللاهث خلف الدنيا بحجة مسؤوليتهم عن رعاية البيت والأولاد ، أو بأي عذر يتلمّسونه من خلال الوهن والعجز . وقد يكون هنالك من له عذره الشرعيّ في تخلّفه عن بعض التكاليف تحت ضغط واقع الحياة وإمكاناته . !
إننا نتحدّث عن الملايين الذين لم يكن لهم عذر إلا الجهل والوهن وحبُّ الدنيا . وحساب الجميع عند الله ، ولكننا نذكّر أنفسنا ونذكر الناس وندعو ونلحّ ، عسى الله أن يهدي القلوب إلى النهوض والبذل على صراط مستقيم .
يلجأ بعض الناس إلى سوء تأويل الحديث الشريف: ( ألا أنبّئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم .. قال:"ذكر الله") . ويتوهّم هؤلاء أو يوهمون أنفسهم بأن هنالك عملًا خاصًّا اسمه"ذكر الله"، معزولًا عن غيره من الأعمال ، يُغني عن كل سعي ، يغني عن الإنفاق والبذل والجهاد ، يجلس الإنسان من أجله يسبّح ويذكر اسم الله ، وقد يرافق ذلك ما يُزَيّنه الشيطان من حركات باطلة لدى بعض الناس من الجهلة والمنحرفين .
إذا كان قد ظهر مثل هؤلاء في التاريخ الإسلاميّ ، فإن الملايين الكثيرة اليوم من المسلمين قاعدون عن التكاليف الشرعية الربّانيّة ، قعودًا جعلهم على نماذج شتى .
فمنهم من اعتقد أن الشهادتين تكفيه ولا حاجة له إلى الشعائر ولا إلى البذل والدعوة وغير ذلك . ومنهم من اعتقد أن أداء الشعائر هو كلُّ ما هو مكلّف به ولا حاجة له إلى ما سواه . ومنهم من يقيم شعيرة ويترك غيرها ، وتمتدّ النماذج في واقعنا اليوم امتدادًا كبيرًا ، حتى شُلّت قوى كثيرة من المسلمين وتعطّلت ، وحتى أصبحت مرتعًا لأعداء الله ، يستفيد أعداء الله منهم ، ولا يستفيد الإسلام منهم بشيء .
ولكن الأغرب والأعجب هو أن يظنّ بعضهم أن القعود لما يحسبه"ذكر الله"وتعطيل نشاطه وعطائه أمر يطلبه الحديث الشريف السابق ذكره .
ولو استعرضنا الآيات والأحاديث الواردة عن"ذكر الله"لوجدناها كثيرة جدًا ، لا يوجد بينها ما يشير إلى التصوّر الفاسد الذي أشرنا إليه . إنها كلها تحضّ على السعي والعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة .
هنالك أسباب كثيرة للجوء بعضهم إلى فساد التأويل وفساد الفهم ، ومن ثمَّ فساد الممارسة . فربما كان الخلل في التصوّر الإيماني ، أو الخلل الواسع بالقرآن الكريم والسنة ، أو غلبة الأهواء ، من بين الأسباب التي تدفع إلى ذلك .
ولكنني أريد أن أشير إلى سبب آخر فقهي قد يقع فيه من كان له علم حسن بمنهاج الله . وهو سبب يؤدي إلى فساد التأويل في قضايا أخرى غير هذه القضية . هذا السبب هو أخذ النصّ من الكتاب والسنة أو أخذ جزء منه ، ثمّ دراسته معزولًا عن سائر النصوص المتعلقة به ، ومعزولًا عن قضايا أخرى متشابهة مرتبطة به . إن هذا العزل للنصّ يؤدي في كثير من الأحيان إلى سوء الفهم وسوء الممارسة والتطبيق واختلاف الفقه .
لو أنا أخذنا بذلك الفهم الخاطئ للحديث الشريف ، وقعد الناس عما أُنيط بهم من تكاليف ربّانية ، لتقلّص الإسلام في الأرض وفُتِنَ الناس ، وغلب الشرك وامتد .
يغيب عن بال هؤلاء أن القضية الأولى في حياة الإنسان على الأرض ، هي أنه يحمل أمانة يجب الوفاء بها ، وأنه محاسب على ذلك ، وأن عمله كله يجب أن يكون عبادة لله وطاعة له ، لتُمثِّل هذه الصورة الخلافة التي جُعلت للإنسان في الأرض . وهذه الأمانة والعبادة والخلافة ممتدّة متصلة مع ما أمر الله به من عمارة الأرض بحضارة الإيمان ، كل ذلك من خلال ابتلاء كتبه الله على بني آدم .
كل عمل يقوم به المسلم يجب أن يكون عبادة لله ، ويجب أن لا يعطل عملًا آخر . ولا يستقيم هذا التصور إلا إذا كان هنالك نهج متكامل يرسم المسيرة ويُرتِّب الأعمال ويُنزلها منازلها ، حسب أولوياتها ودورها .
فلا يجوز أن تُعَطَّل مسؤوليات البيت أو الوظيفة أو التجارة التكاليف الربانيّة ، ولا أن تضطرب الموازنة بين مختلف التكاليف ليطغي تكليف على آخر . ولا يجوز أن يكون ميزان الأولويات ميزانًا يُزيِّنُه الشيطان من خلال الأهواء والمصالح: إن الميزان الحق هو منهاج الله فمن الناس من يقبل على ( العُمرة ) مثلا وهو تارك لبعض الفرائض .