من أجل هذه الموازنة ، ولتكون أمينة ، كان ( ذكر الله ) ضرورة للمسلم ، حتى يبني المسلم موازنته على أساس من ذكر الله وخشيته وعلى أساس من المنهاج الرباني . فإذا غاب ذكر الله كما أمر به أو إذا انحرف عن منهاج الله فأنى للموازنة أن تعدل أو تستقيم ؟ !
ومع ذلك يبقى السؤال حائرًا في أذهان الكثيرين: لماذا أخذ ( ذكر الله ) هذه المنزلة العظيمة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديثه السابق ذكره .
إن ( ذكر الله ) أخذ هذه المنزلة العظيمة حتى قال الله سبحانه وتعالى: (اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) . [ العنكبوت: 45 ]
فجاء الحديث الشريف ليفصِّل هذا المعنى العظيم في الآية الكريمة: ( .. ولذكر الله أكبر ) ! نعم إنه أكبر من كل الأعمال وخيرهُا ، وإنه أكبر عند الله وأزكى ، وإنه أكبر وأرفع في الدرجات ، وإنه أكبر وخير من إنفاق الذهب والورق ( ومن أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم .. ) !
نعم ! إنه أكبر من ذلك كله ، لأن كلَّ عمل من هذه الأعمال باطل غير مقبول عند الله إلا إذا ارتبط بذكر الله . ( فذكر الله ) هو العمل الوحيد الجامع لكل أعمال المسلم صغيرها وكبيرها . إنه النبع الذي يرتوي العمل منه ، والقوة التي تمدُّ كلَّ أعمال المسلم بالحياة والقوة وبالقبول عند الله ، ولا يوجد عمل آخر في الإسلام يقوم بهذا الدور العظيم . فكان لذلك كله أكبرَ الأعمال وأزكاها وخيرها .
ولذكر الله هو الذي يربط الأعمال فيما بينها ، ويرتبها حسب أولوياتها ، في جميع الظروف والأحول .
وذكر الله الذي تعنيه الآية الكريمة ويفصّله الحديث الشريف هو الثمرة الزكية للإيمان والتوحيد وللعلم بمنهاج الله ( اتلُ ما أوحيّ إليك من الكتاب ... ) ، وهو الثمرة الغنيّة لإقامة الشعائر ( ... وأقم الصلاة ) ، وهو الثمرة الطيبة للبعد عن الفاحشة والمنكر ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ! .
ذكر الله ، كما يأمر به الله ، هو الذي يضع الأعمال كلها على صراط مستقيم ، على نهج قويم ، على درب ممتد ليكون كلُّه ( في سبيل الله ) ، ماضيًا من هدف ثابت إلى هدف ثابت ، يطلب الجنّة والدار الآخرة ـ الهدف الأكبر والأسمى .
إنه يجعل العمرة عبادة مرتبطة بغيرها من العبادات ، حتى لا تكون عملًا منعزلًا بنفسه مقطوعًا عن غيره . نعمت العمرة ونعمت السنن كلها حين يكون جزءًا من المسيرة المتكاملة والنهج المترابط بأهدافه ومراحله ، لا انقطاع ولا توقّف ولا انحراف .
إن ذكر الله هو الطِّيبُ الذي يزكو به العمل وينشر عبقه في الدنيا والآخرة .
فليس ذكر الله عملًا معزولًا عن الحياة ، أو عملًا مستقلًا عن سائر الأعمال: إنه يأخذ منزلته العظيمة من ارتباط الأعمال كلها به وارتباطه بها: الشعائر وطلب العلم ، والدعوة ، والإنفاق ، والجهاد ، والإحسان ، ورعاية البيت وأمانة الوظيفة وأمانة التجارة ، وكل ميدان عمل وسعي في الحياة الدنيا .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ) [ رواه مسلم وأبوا داود والترمذي وابن ماجة ] (2)
نحن بحاجة اليوم إلى تركيز فقه آيات الذكر وأحاديثه في أبناء المسلمين على التصور الأمين ، وخاصة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بدأنا به هذه الكلمة ، حتى تنطلق مواهب الأمة وطاقاتها مجتمعة متآزرة على صراط مستقيم .
إن ذكر الله كما رأينا لا يعطّل التكاليف الربّانيّة ، ولكنَّه يغذّيها ويقويها ويدفعها إِلى الميدان غنيةّ قوية .
إن ذكر الله يوقظ القلب ويحيي النفس والعزيمة ، ويبعث النشاط والقوّة ، ويذكّر بما أمر الله به . إن ذكر الله هو ذكر لأوامره وتكاليفه ودينه ، والأمانة التي حملها الإنسان ، وللموت والبعث والحساب والجنّة والنار ! إنه ذكر ممتدُّ لكل قواعد الإيمان والتوحيد وقواعد منهاج الله ، لكل قواعد شرع الله ودينه الحق ، وأوامره ونواهيه .
إن ذكر الله ، على ضوء ذلك يرسم النهج ويمدّ الدرب ، ويقيم عليه الأهداف الربانيّة الثابتة معالم متلألئة متوهجة بالنور الفياض .
إن ذكر الله الذي تذكره الآية الكريمة والحديث الشريف ، هو الذكر الذي يصاحب المسلم العامل الناهض إِلى مسؤولياته وتكاليفه ، ويصاحبه وهو يعمل ويسعى ويدعو ويربّي ويتعهّد ويبني ويجاهد ، وكل ذلك في سبيل الله . فذكر الله الذي تعنيه الآية والحديث ليس للقاعد الغافل ، ولا للذي يجري ويلهث خلف الدنيا ومتاعها .
أمام المسلم وهو ماضٍ في سبيل الله خطران: خطر الضعف والتوقف ، وخطر الانحراف . إن ذكر الله بشروطه الإيمانيّة يدفع من يتوقف ويمدّه بالعون لينطلق ، ويقوّم من ينحرف ليعود إلى الصراط المستقيم .