فهرس الكتاب

الصفحة 10305 من 27345

الفصل الأول: بيان الحكم الشرعي في الأعياد المحدثة:

المسألة الأولى: حصر الأعياد في المشروع فقط:

تواترت النصوص الشرعية على حصر الأعياد الزمانية في الإسلام في عيدين حوليين هما الفطر والأضحى، لا ثالث لهما سوى العيد الأسبوعي يوم الجمعة، وأن ما سوى ذلك من الأعياد إنما هو محدث، سواء كان أسبوعيًا أم حوليًا أم قرنيًا أم غير ذلك.

والأصل في هذا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: (( ما هذان اليومان؟ ) )قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر ) ) ( [1] ) .

فحصر النبي صلى الله عليه وسلم أعياد الإسلام في هذين اليومين ونهى عن غيرهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما ) )يقتضي ترك الجمع بينهما، لا سيما وقوله: (( خيرًا منهما ) )يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية. وأيضًا فقوله لهم: (( إن الله قد أبدلكم ) )لما سألهم عن اليومين فأجابوه بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية دليل على أنه نهاهم عنهما اعتياضًا بيومي الإسلام؛ إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسبًا، إذ أصل شرع اليومين الإسلاميين كانوا يعلمونه ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية" ( [2] ) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا ) ) ( [3] ) .

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"فالدلالة من وجوه:"

أحدها: قوله: (( إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا ) )فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم كما أن الله سبحانه لما قال: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا} [البقرة:148] وقال: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم وذلك أن اللام تورث الاختصاص.

الثاني: قوله: (( وهذا عيدنا ) )فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا فليس لنا عيد سواه..." ( [4] ) ."

وثمة أدلةٌ أخرى أيضًا غير هذه تدلّ على النهي عن إحداث عيد آخر سوى العيد الذي شرعه الله تعالى لهذه الأمة.

وحسب المسلم من ذلك الحديث المشهور: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) )، وفي لفظ: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ) ( [5] ) .

فهو أصل في رد كل المحدثات في الدين ومنها الأعياد الزمانية والمكانية.

وبيان ذلك: أن الأعياد بأنواعها هي من شعائر الدين حتى الأعياد المدنية فيشملها هذا الحديث، بخلاف العادات الأخرى المخترعة كالصناعات ونحوها فإنها لا تدخل في النهي بل الأصل فيها الإباحة، والله تعالى أعلم.

المسألة الثانية: النهي عن التشبه بالكفار في أعيادهم:

وتواترت الأدلة الشرعية أيضًا على النهي عن مشابهة الكفار في شيء من أمور دينهم، ومنها أعيادهم.

والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر، منها ما هو في النهي عن مطلق التشبه بهم، ومنها ما يختص بأمور معينة، ومنها ما ورد في خصوص الأعياد.

القسم الأول: النهي عن مطلق التشبه بهم:

1-قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18] .

أخبر الحق سبحانه أنه جعل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم على شريعة شرعها له وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته. وأهواؤهم هي ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض أمورهم، ويسَرّون به، ويودّون أن لو بذلوا عظيمًا ليحصل ذلك ( [6] ) .

2-وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ} [آل عمران:105] .

نهى سبحانه عن مشابهة اليهود والنصارى الذين تفرقوا واختلفوا فصاروا أحزابًا وشيعًا، فجنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع، وكلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها وهذه مصلحة جليلة ( [7] ) .

3-عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) ( [8] ) .

قال شيخ الإسلام:"وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم" ( [9] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت