فهرس الكتاب

الصفحة 24699 من 27345

من مكارم الأخلاق - (1)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد: فهذه توجيهات في السلوك نحو مكارم الأخلاق . فمن ذلك ما أخرجه مسلم والترمذي من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ والإثم, فقال: البر حسن الخلق , والإثم ماحاك في الصدر وكرهت أن يطَّلع عليه الناس منك" ( [1] ) .

وهكذا سأل النواس بن سمعان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور الدين باسم البر والإثم, وذلك لأن البر يشمل جميع الطاعات , والإثم يشمل جميع المعاصي , فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن البر بأنه حسن الخلق , ومكارم الأخلاق من حيث هي , هي بعض البِرِّ , ولكنْ باعتبار النتائج والمقاصد فإن جميع التكاليف الشرعية من مقاصدها ونتائجها حسنُ الخلق .

وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الإثم بعلامة من علاماته , هذا من باب التركيز على ما اشتبه أمره, هل هو من المحرم أو من المباح , فإذا كان الإنسان يشعر بانقباض النفس من شيء ويكره أن يراه الناس وهو متلبس به فإنه يدخل في دائرة الممنوع وإن لم يتحقق المسلم تحريمه .

وهكذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم السائل عن البر والإثم ببعض محتوياتهما من باب الاهتمام بهذين الأمرين اللذين ذكرهما .

وأخرج أبو داود من حديث مطر بن عبد الرحمن الأعنق قال: حدثتني أم أبان بنت الوازع ابن زارع , عن جدها زارع - وكان في وفد عبد القيس - قال: وفدنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبِّل يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله , وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عيْبته فلبس ثوبيه, ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيك خُلَّتين يحبهما الله: الحلم والأناة , فقال: يارسول الله أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما ؟ قال: بل الله جبلك عليهما, قال: الحمد لله الذي جبلني على خُلَّتين يحبهما الله ورسوله" ( [2] ) ."

وأخرجه مسلم مختصرا ( [3] ) .

ففي هذا الحديث أشاد النبي صلى الله عليه وسلم بخلقَي الحلم والأناة , حيث بين أن الله تعالى يحبهما, وهما من الأخلاق الإسلامية العالية , فالحلم يقي صاحبه من الغضب السريع , ومايترتب عليه من السلوك السيء في القول والعمل , والتأني يقي صاحبه من مساوئ العجلة , وذلك في التصرفات التي لم يحكمها العقل السليم , ويعطي صاحبه فرصة للتأمل والتفكير حتى يَصدُرَ السلوك منه متوازنا محكما .

وأخرج الدارمي من خبر عكرمة قال قال العباس رضي الله عنه:"لأعلمن مابقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا , فقال: يارسول الله إني أراهم قد آذوك وآذاك غبارهم , فلو اتخذت عرشا تكلمهم منه, فقال: لا أزال بين أظهرهم يطؤون عقبي , وينازعوني ردائي , حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم, قال: فعلمت أن بقاءه فينا قليلا" ( [4] ) .

فهذا مثل من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم , وهو بذلك يَسُنُّ سنة للولاة والمربِّين من بعده , حيث تواضع لأفراد أمته فعاش معهم كواحد منهم , ولم يرض أن يتميز عليهم بشيء .

وإن التواضع لله أولا ثم للمخلوقين دليل على سمو الفكر وكمال العقل , ولذلك جاءت توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم نحو التواضع .

وذلك لأن الشريعة الإسلامية شُرعَتْ من عند الله تعالى لترفع من مستوى العقل البشري , ولتميز أصحاب الأفكار السوية وتُوجهَهم نحو الإصلاح والقيادة التربوية .

( [1] ) صحيح مسلم , رقم 2553 , كتاب البر , باب تفسير البر والإثم , سنن الترمذي , رقم 2390, الزهد , باب البر والإثم .

( [2] ) سنن أبي داود , رقم 2525 , في الأدب , باب في قبلة الرجل .

( [3] ) صحيح مسلم , كتاب الإيمان , باب رقم 17 .

( [4] ) جمع الفوائد رقم 8418 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت