فهذا مثل من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم العظيم حيث يخاطب ذلك الطفل ويداعبه بسؤاله عن ذلك الطائر الذي يحبه . وهذا جانب من عظمة النبي صلى الله عليه وسلم , فبينما هو يدير أمور دولة الإسلام ويجابه الأهوال ويخطط للأمور الجسام ويقابل عظماء العرب إذا هو يداعب الأطفال ويلاطفهم ويرفع من معنوياتهم .
وفي حديث آخر نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يمازح أحد الرجال , وذلك فيما أخرجه الحافظ أبو عيسى الترمذي وحسَّنه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:"أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم [أي طلب منه أن يحمله] فقال: إني حاملك على ولد الناقة , فقال: يارسول الله ما أصنع بولد الناقة ؟ [يعني أنه صغير لايحمل] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟" ( [5] ) وكذلك أخرجه أبو داود السجستاني من حديث أنس رضي الله عنه ( [6] ) .
يعني وإن كان كبيرا فهو ولد الناقة , وهذا المزاح المعتدل اللطيف له فوائد منها إزالة الكلفة والهيبة التي تستقر في النفوس للرجال العظماء , وهذه الهيبة قد تُحرج بعض الناس أو تمنعهم من كلامٍ يريدون أن يقولوه أو تصرُّف يريدون أن يفعلوه .
وكان صلى الله عليه وسلم معتدلا في مزحه وبقدر معين ومع أناس معينين , ولايقول إلا حقا , كما أخرج الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله وحسَّنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يارسول الله إنك تداعبنا , قال: إني لاأقول إلا حقا ( [7] ) .
ومن ماجاء في أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العالية في معاملة أهله ما أخرجه أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال:"استأذن أبو بكر رحمة الله عليه على النبي صلى الله عليه وسلم , فسمع صوت عائشة عاليا , فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه , وخرج أبو بكر مغضبا , فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر: كيف رأيتني أنقذتك من الرجل ؟ قال: فمكث أبو بكر أياما ثم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهما قد اصطلحا , فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد فعلنا , قد فعلنا" ( [8] ) .
( [1] ) سنن الترمذي , رقم 2010 , كتاب البر , باب 66, (4/366 .
( [2] ) صحيح البخاري , رقم 2049 , كتاب البيوع , باب 1 (4/288 ) .
( [3] ) سنن الترمذي 2035 , كتاب البر , باب 87 ( 4/380 ) .
( [4] ) سنن الترمذي , رقم 1989 , كتاب البر , باب 57 ( 4/357) .
( [5] ) سنن الترمذي , رقم 1991 , كتاب البر , باب 57 (4/357) .
( [6] ) سنن أبي داود , رقم 4998 , كتاب الأدب , باب 92 ( 5/270 ) .
( [7] ) سنن الترمذي , رقم 1990 , كتاب البر , باب 57 (4/357 ) .
( [8] ) سنن أبي داود , رقم 4999 , كتاب الأدب , باب 92 ( 5/271 ) .