الكاتب: الشيخ د.سلمان بن فهد العودة
كثيرون يعتبرون مجرد انتحالهم لاسم الإسلام كافيًا لتحقيق أمانِيِّهِمْ ، ولا شيء وراء ذلك .
إنك تعجب حقًا ، هذا الدين الذي حملت مضامينه تلك الحفاوة الشديدة بالعمل ، وربطت كل أسباب التوفيق والسعادة به ، ونزعت عن تاركيه كل صفات الخيرية ..
ثم يطول الأمل ، وتقسو القلوب ، ويصبح المسلم في حاجة إلى من يذكره، ويؤكد له أن مجرد انتحال الاسم لا يعني شيئًا ، ولا يغني شيئًا .
هل مجرد إدعاء الإنسان أنه عاقل - مثلًا - أو غني ، أو قوي ، أو صحيح البنية ، أو عالم أو سعيد ، أو .. أو .. يجعله كذلك ؟ أو يغير من واقعه شيئًا ؟ إن مجرد الأمانيّ العابرة ، والأحلام الطائرة ، لا تنفع ولا تدفع ، إذا لم تكن زادًا ووَقُودًا لفعل الأسباب الشرعية والطبعية ، واجتناب الموانع والعوائق والأوهام .
فدعوى ( الإسلام ) ، أو ( السنة ) ، أو ( الحديث ) ، أو ( السَّلفية ) ، أو ( الاتِّباع ) .... معيارها صدق التمثل والعمل ، والالتزام الحقيقي ظاهرًا وباطنًا.
وهنا لابدّ من التفطن لثلاثة أمور:
أولها: إن هناك الأدعياء الذين يكتفون بالاسم ، ورفع الشعار ، ثم ينامون قريري العيون .
ثانيها: إن هناك من يطبق فهمًا منقوصًا سبق إلى ذهنه ، وظنه هو الحق ، فهناك من يرى الإسلام عبادةً فحسب ، أو زهدًا فحسب ، أو قتالًا فحسب ، أو ما شاء له تصوره ... ويتمسك بهذا ، معرضًا عما سواه ، وقد يرى الإسلام مظهرًا وشكلًا مجردًا دون مضمون حقيقي .
ثالثها: إن هناك من يفهم الأمر على حقيقته ، لكنه لا يعمل به ، وهاهنا ؛ لا مشكلة في الفهم والإدراك ، لكن المشكلة في التنفيذ .
إن هناك أسماءً صحيحةً ، وعناوين مقبولة ، لكنَّ مجردَ التَّسَمِّي بها لا يفيد حتى يُضافَ إليه العمل والتحقق بالوصف والمعنى ، وإلا كان تزكية للنفس بغير حق. وكثيرًا ما يستمسك الناس بالاسم ، بل ويتعصبون له ، ويغضبون ممن ينفيه عنهم ، لكنهم يمعنون في التكذيب العملي لهذه الدعوى العريضة .
وقد كانت آيات القرآن الكريم حاسمة في هذا المقام ."ليس بأمانيكم ، ولا أماني أهل الكتاب ، من يعمل سوءًا يجز به ،ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا ، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا"النص واضح وصريح ، الانتماءات والأسماء وحدها لا تكفي ، ولو كانت شريفة وصحيحة في ذاتها ، حتى يقترن بها العمل ، الميزان مرتبط بـ"من يعمل ..."، أو"من يعمل ..."ولهذا كان بعض السلف يقولون: إن هذه أخوف آية في كتاب الله -تعالى- .
يقول الحافظ ابن كثير:"والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ، ولا بالتمني ، ولكن ما وقر في القلب ، وصدقته الأعمال , وليس كلُّ من ادعى شيئًا ، حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك ، حتى يكون له من الله برهان" ( 1 / 557 ) وكلمة الحسن البصري - رحمه الله - مشهورة ، وهي التي ساقها ابن كثير في صدر كلامه السابق .
ثم ؛ هذه الأسماء التي يدعيها المدعون ، ينبغي فرزها إلى صنفين متمايزين:
الصنف الأول: أسماء وانتسابات مشروعة مطلقًا ، والنسبة إليها هي من باب تقرير الواقع ، والاعتراف به ، وإعلانه ، وذلك مثل قول المسلم: أنا المسلم ، والحمد لله . فهذا انتساب محمود بكل حال ، وانتماء شريف عظيم ، وواجب على قائله تأييد قوله بفعله .
الصنف الثاني: أسماء وانتسابات شريفة في نفسها لكن لا ينبغي تزكية النفس بها مطلقًا ، ولا ادعاء تحصيلها ، مما يوهم كمال الإنسان ، واستيلاءه على الذروة العليا ، ومنها لفظ الإيمان ، فلا يحسن بالمرء أن يقول: أنا مؤمن ، على سبيل التزكية ، والثناء على النفس ، ولذلك قال الإمام أحمد - رحمه الله -: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان ؛ لأن الإيمان قول وعمل ، فقد جئنا بالقول ، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل فيعجبني أن نستثني في الإيمان ، نقول: أنا مؤمن إن شاء الله -تعالى- . وحديث ابن مسعود الذي أشار إليه الإمام هو ما رواه ابن أبي شيبة ( الإيمان 90 ) وأبو عبيد ( الإيمان 17 ) أنه قال: من شهد أنه مؤمن فليشهد أنه من أهل الجنة .
وفي لفظ عن الإمام أحمد أنه قال: أنا مؤمن -إن شاء الله- ومؤمن أرجو ، لأنه لا يدري كيف أداؤه للأعمال ، على ما افتُرِضَ عليه أم لا . واننظر بقييية الروايات عن أحمد في المسائل والرسائل بتنسيق وتحقيق: عبدالإله الأحمدي ( 1 / 117 - 125 ) .