أ. د. عماد الدين خليل 19/7/1427
سيقف هذا المقال قليلًا لمناقشة المنهج المعكوس الذي يعتمده بعض الباحثين (1) في دراسة الحضارة الإسلامية، والذي يبدأ من الحديث عن اقتباسات المسلمين عن الآخرين، ثم يستنتج ، أو يوحي، بأن الحضارة الإسلامية لا تعدو أن تكون مجموعة من قطع الغيار استعيرت من الحضارات والثقافات الأخرى، وشُكّلت بها حضارة الإسلام، وكأن المسلمين خرجوا من جزيرتهم لا يحملون بذرة التحضر، أو أي شيء يمت إليها بصلة.
والخطأ الذي يقوم عليه هذا الافتراض هو أن أولئك الباحثين يغفلون حقيقة في غاية الأهمية وهي أن المسلمين خرجوا وهم يحملون رؤية جديدة قديرة إذا انصبت على الحضارات الأخرى، أن تصنع حضارة متميزة أصيلة، تعرف كيف تفيد من"الآخر"، ولكن بعد أن تخضع عناصر الأخذ للرؤية المتفردة بمواصفاتها الإيجابية التي لم تجتمع بهذا القدر من الغنى والتوافق في أي حضارة أخرى على الإطلاق.
لقد تأسست حضارة الإسلام في المجال الذي يعكس الشخصية الحضارية، والذي يبدأ بالعقيدة، ويمضي إلى الشريعة والنشاط المعرفي والثقافي عمومًا (ولهذا ـ على سبيل المثال ـ تُرجمت فلسفة اليونان كأداة للجدل وليس كهدف معرفي، وفي المقابل فإن أدب اليونان القائم على الميثولوجيا الوثنية، لم يلق إقبالًا على ترجمته إلى العربية، وما تُرجم منه لم يلق رواجًا، وظل معزولا إلى حد كبير عن ذاكرة المسلمين ووجدانهم) .
أما على مستوى العلوم الصرفة كالفلك والرياضيات والطبيعة والطب وعلوم الحياة .. الخ فإن الحضارات تنحو ـ بشكل عام ـ إلى اعتماد قانون تراكم الخبرة، والإضافة على ما قدمه الآخرون، وكان على الحضارة الإسلامية أن تعتمد القانون نفسه فحققت قفزات نوعية، بل إنها قدمت إضافة ذات قيمة بالغة في سياق مناهج العلوم وهي المختبر .. ومن ثم فإنها لم تكن مجرد"عالة"على الحضارات الأخرى بأي معيار من المعايير.
والحالة نفسها تنطبق على النظم الإدارية حيث تجد الحضارات الناشئة ـ في البداية ـ أن لا وقت لديها لتسيير المؤسسات، فتقتبس عن الآخرين، لكنها لا تلبث أن تبدل وتحور وتنقص وتزيد، وتؤصل ـ في نهاية الأمر ـ نظمها الخاصة بها (ولنتذكرـ على سبيل المثال ـ ما حدث بالنسبة لنمو الدواوين وتوزيع تخصصاتها فضلًا عن حركة التعريب المعروفة التي استهدفت المؤسسة الإدارية بالدرجة الأولى) .
إن الباحثين المذكورين يعتمدون منهج الاستدلال بالجزئيات المنقولة عن الآخرين، ويعرضون منها حشودًا توحي للوهلة الأولى بأن حضارة الإسلام لا تعدو أن تكون ـ بالفعل ـ تجميعًا ميكانيكيًا منقولًا عن الحضارات الأخرى. لكن هذا الأسلوب لا يلبث أن يتعرض للاهتزاز إذا تذكرنا مرة أخرى كيف أن هؤلاء الباحثين يتعمدون أو يغفلون الانطلاق من نقطة البداية الصحيحة، وهي الرؤية الشمولية للدين الجديد، والتي كان بمقدورها دائمًا أن تخضع الجزئيات المقتبسة، بل تصهرها، من أجل إقامة الكيان الحضاري المتميز، الجديد. إن الذي حدث لم يكن ـ بأي صيغة من الصيغ ـ مجرد محاولة ميكانيكية، وإنما كان الأمر أعمق من هذا بكثير، إنه إعادة تركيب الجزئيات المقتبسة في كل حضاري يملك ملامحه المتميزة، ورؤيته المستقلة للكون والعالم والظواهر والأشياء.
إن الإسلام كدين، بخلاف النصرانية، كان تأسيسًا حضاريًا بمعنى الكلمة، وبالتالي فإن انتصاره وتفرده في القيادة كان يعني بالضرورة قيام حضارة متفردة جديدة. وإن بمقدور المرء أن يمضي إلى أبعد من هذا فيرى كيف أن الإسلام نظر إلى الحضارات الأخرى، أو ـ على الأقل ـ إلى أقسام واسعة منها، على أنها امتداد للجاهلية بشكل من الأشكال، وبالتالي فإن التعامل معها لم يكن بصيغة التقبل أو الانبهار، كما حدث للشرق الإسلامي في العصر الحديث، وإنما بصيغة فوقية تحمل أصالتها واعتدادها بالذات، دون أن يمس هذا البعد الإنساني المفتوح للحضارة الإسلامية التي تعاملت مع الإنسان حيثما كان، وكسرت حواجز الجغرافيا والطبقة والعرق واللون، بل إنها تجاوزت حتى حواجز المذاهب والأديان.
والباحثون المذكورون يعكسون الحالة مرة أخرى بادعائهم أن المغلوب هزم الغالب
حضاريًا، والحال أن الغالب قدر في عقود معدودة على أن يطوي المغلوب على كل المستويات بدء من الدين والسياسة وانتهاء بمجمل المفردات الحضارية … وتمكّن من أن يأخذ ويدع، ويفكك ويذيب، إلى الحد الذي لم يبق معه للثقافات المحلية مقومات مستقلة اللهم إلاّ ما كان يتساوق منها مع معطيات الحضارة الناشئة.
إن الحضارة التي تقوم على الأخذ ليس بمقدورها أن تعطي أو تؤثر في الحضارات
الأخرى. والذي حدث بالنسبة لحضارة الإسلام هو العكس فإن تأثيرها كان عميقًا للغاية، ليس فقط بصيغة حماية التراث القديم، وإعادته منقحًا أو مضافًا عليه، وإنما أيضًا بصيغة تقديم معطيات أصيلة مبتكرة كان لها أبلغ الأثر في صيرورة الحضارات الأخرى، وبخاصة الغربية،