فهرس الكتاب

الصفحة 14702 من 27345

أمين حسن أحمد يس*

كثر اللغط والقيل والقال حول قضايا حقوق الإنسان، ورفعت لذلك الشعارات وأقيمت المؤسسات والمنظمات التي تبنت رعاية الحقوق الإنسانية، ولكن الجميع في خضم هذا المعترك الحامي نسوا أوتناسوا ما هي حقيقة الأنسان الذي يدافعون عن حقوقه!!..

إن الغرب الذي تولى كبر هذه القضية هو أبعد ما يكون عن حقيقة الإنسان؛ فالحضارة الغربية ماهي إلا امتداد للدولة العسكرية الرومانية القديمة، وكما تزينت تلك الدولة الأولى بالفلسفة الإغريقية المأخوذة عن الفرعونية لتخفي قبح وجودها الوحشي تزينت الثانية بالدفاع عن حقوق الإنسان لتخفي مسخها الشائه وهي تعمل على قتل الإنسانية واستعبادها!!..

لقد كانت نظرة علماء الغرب وما زالت على أن الإنسان هوعبارة عن مجموعة من الغرائز، وأن الدفاع عن حقوق الإنسان من وجهة نظرهم هو إطلاق العنان لهذه الغرائز إلى أبعد مدى ممكن..

إن هذا ما هو إلا اغتيال للإنسان من على ظهر الأرض!، وإن الإنسان الذي يحترم نفسه بقدر قيمة كرامته يأبى أن يعامل بإنسانية من قتلوها في أنفسهم، وأرادوا قتلها فيه!!.. معرفة الإنسان لحقوق أي شيء تأتي من معرفته بالشيء نفسه؛ فالذي يعرف حقيقة الإنسان لا يقبل ذلك المسخ الغربي الشائه، وحقوقه المدَّعاة!!..

إذا قُدِّر لنا أن ننظر عبر القرون إلى خارطة تاريخية للعالم القديم فإنا سنجد أن أوروبا كانت جزءًا من المحيط المتجمد، وأمريكا وراء البحار، وإفريقيا مجاهيل مخيفة وغابات موحشة، وأطراف آسيا وأجزاء من العالم في تخلف إنساني كبير!!.. أما في تلك البقعة الزاهرة التي تمتد من اليمن لتمر بالحجاز وتنتهي في الشام فالإنسانية تنعم بمعناها الصحيح، وتعيش الحقوق الإنسانية واقعًا لا تنظيرًا!!.. ما أعظم الشرق الإسلامي!!.. ذلك أنه أكبر ما في العالم بعلمه وحضارته، وأعلم من في الإنسانية بالإنسان!!.. كيف لا وهو معدن الأنبياء، ومهبط الرسالات؟!..

وهذا رجل من الشرق يقدم رؤيته الخاصة لحقوق الإنسان، ويعتبرها رسالة الرجل الشرقي للعالم!!..

لمّا أبدع الله الكون أراد أن يعرِّف بنفسه وبقدرته من خلال مخلوق ضعيف، وقذف الله في وجه الكون بهذا التحدي الذي يسمى الإنسان (إني جاعل في الأرض خليفة) .. أنزله إلى الأرض ما عليه شيء سوى ورق الشجر يستر عورته، وما أنزل الله معه شيئًا آخر غير زوجه!!.. لأن به يقوم التحدي؛ فصنع الله به الأعاجيب!!.. وأقام به الخلافة والحضارة والمدنية.

إن أولى حقوق الإنسان وأحقها بالرعاية هو حقُّ أن يكون الإنسان إنسانًا!!.. فلا يسمح للإنسان أن يبيع نفسه لشيء يملكه!؛ فيكون عبدًا لشيء سُخِّر له!!.. يا أيها الإنسان كن إنسانًا تملك كل شيء، وكن غير ذلك تخسر كل شيء!!..

يقول عيسى عليه السلام: (ماذا يستفيد الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؟!) .. أي شيء تريد أن تكون يا من تتهرب من إنسانيتك؟!.. هل وجدت في الكون شيئًا يعدلها أو يفوقها كرامة سوى أن تتحوَّل إلى جزء من جسدك؟!.. فالطبع الغريزي يعمل آليًا كبقية أجهزة الجسم! هكذا تكون مسخًا شائهًا في الكون الذي خلقت لتكون سيدًا عليه..

واعلم أنك حين تتنازل عن إنسانيتك فستقف في وجه الكون الذي سوف يناصبك العداء، وأول من يعاديك منه هو (نفسك) !!.. هل سخر لك الكون إلا من أجل أنك إنسان، ولأنه كان ينتظر منك أن تريه عظمة ربه فيك؛ فالحياة الإنسانية هي مسرح الكون، والخلق هم المشاهدون؛ أفلا يتضجرون حين يرون منك رعضًا رديئًا، ودورًا غير مشرف؟!.

من الحقوق ذات الأهمية القصوى احترام اختيار الإنسان ومشيئته؛ فإن الله تعالى الذي خلق الإنسان أمضى له مشيئته حتى في الإيمان به سبحانه أو الكفر به؛ فقال عزَّ من قائل: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) .. وعندما يهين المرء من أمر الله بإهانته فهو لا يهين فيه شخصه المكرم، وإنما يهين اختياره الخاطئ لنفسه؛ ذلك الاختيار الذي أهان به كرامة الله فيه؛ فينتصر له بعدم قبول اختياره؛ لأنه لم يختر بإنسانيته لإنسانيته، مع احترامه للإنسان الذي فيه.. وإنك لا تجد أحدًا من الناس يستبد برأيه، ويأطر الآخرين عليه، ولا يحترم آراءهم إلاّ رأيت فيه نقصًا؛ ذلك أنه لما عجز أن يبصر كرامة الله فيه لم يرها في الآخرين.

على هذا ينبغي أن تحترم في الإنسان منطقه إذا تكلم، وصمته إذا آثر السكوت، وتحترم فيه عقله؛ فلا تستخف به، ولا تدخل عليه خبالًا أو سخافة أو فكرة لا يستطيع حملها.. تحترم فيه قلبه؛ فلا تدخل على محراب وجدانه دون إذن منه؛ بأن تجرح له شعورًا، أو تدخل عليه إحساسًا لا يريده.. تحترم فيه هذه النفس الإنسانية.. مرَّت برسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة فقام على قدميه فقيل: (يا رسول الله هذا يهودي!) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أليست بنفس؟!) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدر فيه مَن اختاره إنسانًا، ونفخ فيه من روحه..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت