المجروح!! [1/3]
د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه 10/4/1427
ألم فوق الطاقة
المجرحون يرون قصصهم
كسر حاجز الخجل!
ألم فوق الطاقة.
"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به..".
من أكبر الآلام المعذبة للنفس، المتعبة للروح: أن تسمع بطفل، يعيش ويكبر من غير أبوين، ولا إخوة، ولا أسرة، ولا قرابة. وحيدا، غريبا، متوحشا، ليس له صلة بهذا العالم. لا يدري كيف جاء، ومن أين ؟.
يسمع بالعائلة والأسرة، فيذهب بخياله بعيدا، لعله يدرك ما يحدث فيها من حنان، ومحبة، ودفء، واهتمام، ورعاية !!.. لكنه يرجع بخيال عاجز عن الإدراك..!!.
فهو يوما لم يذق طعم الأسرة، وكيف يذوقه، وهو الغريب عنها بالكلية ؟!!، فكأنها في بلد، وهو في آخر .. وكأنها في زمن، وهو في زمن آخر .. وكأنها من الغيب، وهو في عالم الشهادة !!.
وإذا ما أراد أن يتصور العلاقة بين الطفل وأمه، والطفل وأبيه، فذاك أمر فوق التصور، وفوق الطاقة؛ فإنه لم يحسّ لحظة حنان الأم، و لم يلمس ساعة عطف الأب..!!.
إذا سئل عن أبيه، وعن لقبه، وعائلته: سكت حائرا، مهموما، باكيا؛ إذ لم يعثر على إجابة ؟!!..
فنفسه عاجزة عن الجواب.. هو الذي يسأل نفسه: من أنت، ومن أبوك ؟!!.
وإذ لم يجد أباه، بقي متسائلا مستنكرا: هل لا بد لكل طفل من أب ؟!.
-ينشأ محروما من أعز الناس، وأهم الضرورات، وأبسط الأماني وأقلها..!!.
-ينشأ وإنسانيته مجروحة جرحا لا يلتئم أبدا ..!!.
-ينشأ ولا أحد إلى جانبه. لا أحد تماما ؟!.. ينشأ وحيدا.. وحيدا.. غريبا.. غريبا..!!.
-ينشأ كسير النفس، مهيض الجناح؛ فعزّ الإنسان وكرامته من: والديه، وإخوته، وقرابته. ولا شيء لديه من هذه المعزّات!!.
هل يستطيع أحد أن يحتمل هذا ؟.
فكيف بطفل ينشأ هكذا ؟!!.. إلى أي حال سيكون، وإلى أي شيء يؤول ؟!.
إنه لألم يحرك في الإنسان كل شيء:
-يحرك فيه: الحرقة، والحزن، والكآبة، والضجر.
-يحرك فيه: الغضب، والاستنكار.
-يحرك فيه: الرغبة في البكاء.
-يحرك فيه: الرغبة في الصياح. أليس المتألم يصيح ؟، لعل في الصياح تخفيفا لعبئ يفوق الطاقة، وتنفيسا عن نفس عجزت عن التحمل.
إليكم القصة:
المجروحون يرون قصتهم.
في جريدة الوطن السعودية، الإثنين 13صفر 1427هـ،13مارس2006، العدد (1991) جاء ما يلي:
(يقرون بوضعهم ويضيقون بالإهانات ويحلمون بالهجرة
لقطاء يكسرون حاجز الخوف والخجل ويكشفون عن مكابدتهم اليومية)
-كسر حاجز الخجل
جدة: عاصم الغامدي
قرر عدد من اللقطاء، أو مجهولي النسب، أو الأيتام - كما هو التوصيف الرسمي لهم - كسر حاجز الخجل، والتحدث إلى"الوطن"بكل صراحة عن واقعهم وأحوالهم ومكابداتهم اليومية، ولم يعبأوا كثيرًا بنشر صورهم أو إعلان أسمائهم الحقيقية، ولم يتكتموا على شيء بدافع الخوف من الفضيحة، معتبرين كل هذا أقل ضررًا من حال الضياع التي يشعرون بها ويعيشونها فيما يعتبرون أنفسهم سائرين في نفق مظلم طويل، ويتمنون فقط أن يعثروا في نهاية النفق على بصيص نور أو بصيص أمل - كما يقولون!
وعلى الرغم من سوء معاملة المجتمع لهؤلاء، ونظرته الازدرائية لهم، وعلى الرغم من تلقيهم الكثير من الإهانات اليومية حيث تطاردهم اللعنات، وترشقهم الألفاظ النابية، ويمقتهم الناس، محملين هؤلاء الذين لا ذنب لهم جريرة لم يقترفوها، فهم ضحايا، وليسوا مجرمين من دون أدنى مراعاة لأحاسيسهم ومشاعرهم كبشر، تطالهم الآلام، وتجرح أعماقهم نظرات الاتهام والنبذ والتحقير.
أمام واقع مؤلم - كهذا - أبدى حسان، وشريف، ومشهور، وعاطف، وسواهم استعدادهم الكامل للحديث، وبث شكواهم على صفحات"الوطن"بغية التنفيس أولًا، وإيصال صوتهم إلى الجهات المعنية ثانيًا، وتوضيح الصورة لهذا المجتمع الذي ينبذهم كما لو أنهم هم الذين قاموا بارتكاب الآثام.
في هذا اللقاء تحدثوا عن مسيرة حياتهم منذ أيام الطفولة وما صادفوه من إحباطات، ومالازمهم من معاناة، وأحزان كثيرة وفرحٍ قليل.