فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
جاء في كتاب أدب الدنيا والدين:"ينبغي أن يكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه، أو يضعف عنه ببلادته، فإنه أروح للعالم، وأنجح للمتعلم، وقد روى ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسُّم... وإذا كان العالم في توسم المتعلمين بهذه الصفة، وكان بقدر استحقاقهم خبيرًا لم يضِع له عناء، ولم يخب على يديه صاحب، وإن لم يتوسمهم، وخفيت عليه أحوالهم، ومبلغ استحقاقهم كانوا وإياه في عناء مُكْدٍ، وتعب غير مُجْدٍ؛ لأنه لا يُعدم أن يكون فيهم ذكي محتاجٌ إلى الزيادة، وبليدٌ يكتفي بالقليل، فيضجر الذكي منه، ويعجز البليد عنه، ومن يردد أصحابه بين عجز وضجر ملوه وملهم" [أدب الدنيا والدين ـ الماوردي ص:90] .
وقد قال أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم:"من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال له: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوَّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث" [صحيح البخاري 11/418 كتاب الرقاق ح: 6570] .
وأنت تأسف أشد الأسف حين ترى الغرب يهتم بالنابغين والنابهين، بل بالمعوقين والعاجزين من الناشئين والشباب، في مقابل الإهمال الذريع في عالمنا الإسلامي لأمثال هؤلاء، بل قد تجد الإحباط والتثبيط، ولو علم بهم الغرب لوجدوا منه العناية والرعاية، ثم الإفادة منهم في بناء حضارته ومدنيته. نشكو الظلام وفي يدنا المصباح، ونموت عطشا وبيننا تجري الأنهار:
الصفة الثانية عشرة: مراعاة الفروق الفردية:
فمما ينبغي على المعلم الاهتمام به مراعاة الفروق بين طلابه وهو يعلمهم ويربيهم ويعدهم للمستقبل، مع أن هذا الأمر قد كفلته المناهج النظامية، لكن مع ذلك تظل قضية الفروق الفردية قائمة، في القاعة الواحدة والمرحلة الواحدة، فلا بد من الانتباه لها، ومراعاتها لتحقيق أكبر مصلحة في التعليم والتوجيه والإفادة من ذلك، أما خارج الأطر النظامية فأمر مراعاة الفروق الفردية أو الجماعية آكد، كما في دروس المساجد والمحاضرات العامة والخطب والمواعظ.
فينبغي على المعلم والداعية أن يعطي الناس ما يناسب مستواياتهم، وعقولهم وإدراكهم، ويمس حاجاتهم وواقعهم، ويكون أنفع لهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ولهذا كان المعلم الأول صلى الله عليه وسلم يراعي ذلك في دعوته وتعليمه، حيث كانت تختلف وصاياه وأجوبته باختلاف أحوال السائلين والطالبين، فيوصي بعضهم بالعبادة وترك الشرك، وآخرين بالصلاة والزكاة، وآخرين بحسن الخلق، وآخرين بمجانبة الغضب، كما أنهم يسألونه صلى الله عليه وسلم عن أي الأعمال أفضل؟ فيجيب بعضهم بأنه الإيمان بالله ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجيب آخرين بأنه الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله، وآخرين بأنه إطعام الطعام وإفشاء السلام، وهكذا،"ولا تفسير لهذا الاختلاف في الجواب مع اتحاد السؤال، إلا مراعاة أحوال السائلين، وما بينهم من فروق يجب اعتبارها". وقد يختلف الجواب عن السؤال الواحد في القضية الواحدة في المجلس الواحد، كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله أُقَبِّل وأنا صائم؟ فقال: لا. فجاء شيخ فقال: يا رسول الله، أُقَبِّل وأنا صائم؟ قال: نعم. فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت نظر بعضكم إلى بعضكم. إن الشيخ يملك نفسه [المسند ـ جزء 11 ح:7054 قال شاكر: إسناده صحيح، مع أن فيه ابن لهيعة. وانظر ح: 6739 وتعليق المحقق] . وتختلف مواقفه صلى الله عليه وسلم باختلاف الأشخاص الذين يتعامل معهم، فيعامل الأعراب بما لا يعامل به أصحابه الملازمين له؛ فيغتفر لأولئك ما لا يغتفر لهؤلاء، ويتألف قلوب مسلمة الفتح وزعماء القبائل بما لا يصنع مثله مع السابقين من المهاجرين والأنصار، ويغطي فخذه عند دخول عثمان ولم يفعل ذلك مع أبي بكر وعمر، وإن دخل عليه كريم قوم أكرمه، وإذا دخل عليه سفيه أو شرير داراه بطلاقة الوجه أو بكلمة طيبة ـ دون مداهنة أو مدح بالباطل ـ تألفًا له، واتقاءً لشرّه، وتختلف أوامره صلى الله عليه وسلم وتكليفاته باختلاف من يأمرهم ويكلفهم، فيكلف أبا بكر في الهجرة بما لا يكلف به عليا، ويكلف بعض أصحابه بقيادة السرايا وبعضهم بالمنافحة عنه وعن الإسلام بالشعر كما فعل مع حسان بن ثابت، ويعتذر لأبي ذر عن توليته لبعض أمور المسلمين، وقد يقبل من بعض الأفراد موقفًا أو سلوكًا لا يقبله من غيره لاختلاف الظروف، كما قَبِل من بعض
* أستاذ بكلية الشريعة - جامعة افريقيا العالمية