"لعل من أبرز جنايات السياسة على الأدب البنّاء والفن الرفيع أن اعتقلت الأستاذ عمر بهاء الأميري سفيرًا لسورية في كراتشي وجدة فترة من الزمن بعد أن أمضى جانبًا من العمر الذي مازال فتيًا صاحبه. في مختلف الأعمال.. خلف مكتب أنيق وأضابير منسقة تغص بمقررات وتقارير تفرضها طبيعة العمل الدبلوماسي والتخطيط السياسي الدقيق.. وقليلون من عامة الشعب وجماهير المسلمين هم الذين يعرفون الأستاذ الأميري شاعرًا مطبوعًا .. رقيق اللفظ في جزالة .. عميق الفكرة في وضوح .. غزير الإنتاج في غير تبذل أو اسفاف .. مبدعًا فيما يسيل من مشاعره وأحاسيسه المرفهة على الورق ليعلن عن شاعر كسبته دنيا السياسة وخسرته دنيا القلم والفكر والجمال.."
هكذا وصف الأديب الأستاذ يوسف العظم الشاعر الراحل عمر بهاء الدين الأميري.
لمحة عن حياة الأميري:
الأميري سوري الأصل ولد عام 1920م ونشأ وأتم دراسته في الأدب والعلوم والفلسفة في حلب، ودرس الأدب وفقه اللغة في السوربون بباريس والحقوق في الجامعة السورية بدمشق..
مارس (الأميري) المحاماة في نقابة المحامين بحلب وترأس المعهد العربي الإسلامي بدمشق ورحل إلى المغرب أستاذًا لكرسي الإسلام والتيارات المعاصرة في دار الحديث الحسنية بالرباط عام 1955م زائرًا ومحاضرًا في جامعات الرياض والإمام محمد بن سعود والأزهر والجزائر والكويت وصنعاء وعدد من الجامعات الإسلامية في باكستان وتركيا وأندونيسيا.
وقد كان سياسيًا إسلاميًا مخلصًا، شارك في الدفاع عن (القدس) وحمل السلاح مجاهدًا مع جيش الإنقاذ خلال حرب فلسطين عام 1948م، وأسهم في تأسيس حركة (سورية الحرة) وكان رئيسًا للجانب السياسي فيها، ومثل سورية وزيرًا وسفيرًا في وزارة الخارجية، وتوفي رحمه الله عام 1994م، ودفن بالمدينة المنورة.
شاعرية الأميري:
الأميري شاعر منذ بواكير عمره، يحكي عن نفسه ويقول:"..بدأت أقول الشعر وأنا طفل في التاسعة وأحرقت ديواني الأول وأنا ابن اثنتي عشرة .." (1) وعن شعره قال العقاد:"دعاء يتكرر، ويتجدد ولا يتغير، يطالعه القارئ، فيسعد بسحر البيان كما يسعد بصدق الإيمان" (2) ويتحدث عن شاعريته واسلاميته الإمام الراحل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي - رحمه الله - فقال:"الشاعرية في شاعرنا الأميري قوية مشبوبة موهوبة جياشة تستند على حظ من البيان العربي غير قليل وثروة من اللغة محيطة بالمعاني وان لايمان صاحبنا الوزير الشاعر وتقواه وتربيته الدينية ومحافظته على الشعائر دخلًا كبيرًا في تكوين شاعريته واضفاء جلال الدين عليها.." (3) .
آثار الأميري الفكرية:
كان الأميري مثار اهتمام الأوساط الأدبية - محليًا وعالميًا - وقد وصفه أكثر من ناقد وأديب ب (اقبال العرب) اشارة إلى شاعر الإسلام الكبير محمد اقبال - رحمه الله -، وقد وضع الأستاذ محمد قطب (الأميري) في كتابه الرائع (منهج الفن الإسلامي) ضمن خمسة، أربعتهم سكينة بنت الحسين وابن الرومي وطاغور ومحمد اقبال، وذكره الشاعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي في كتابه (علاقة الأدب بشخصية الأمة) على رأس قائمة من الشعراء والأدباء والاسلاميين الذين غرسوا في تربة الأدب الاسلامي روائع ابداعاتهم (4) وكان (الأميري) حاضرًا في دراسات العديد من المستشرقين وترجمت بعض قصائده إلى عدد من اللغات.
الأميري والحركة الإسلامية:
لم يكن (الأميري) شاعرًا وأديبًا فحسب، بل كان من رموز الحركة الإسلامية ورائدًا من روّاد العمل الإسلامي المعاصر، وكانت له علاقاته الواسعة مع رجالات الأمة وقاداتها وكان قدوة عملية في إرساء أدب الخلاف بين من يتعامل معهم من الإسلاميين وأشعاره تشهد على رحلاته الخاصة لاصلاح"ذات بين"وقع هنا أو هناك، وكان - رحمه الله - ذا خلق جم وصدر رحيب.
إرادة الصمود في شعر الأميري:
وبعد؛ فإن أجمل وأروع وأكرم ما يسجل للأميري في هذه الساعات العصيبة من تاريخ أمتنا الزاحفة نحو المجد، أن ينزل الأميري الميدان بشعره في عصر كثر فيه المتآمرون على كرامة الأمة وأمجاد التاريخ من شعراء الجنس والإغراء والشهوة.
ولعل أبرز ما يشتفه الناظر من شعر (الأميري) .. تلك الإرادة الصلبة والصمود الشامخ في مواجهة شدائد الحياة ومفاتن الدنيا ومغريات الشهوات، على خلاف شعراء ادعوا الحداثة زورا وسقطوا عند أول اختبار للصلابة، وعاشوا أذلة الشهوات والمغريات تحت ثياب المرونة وواقعية الأدب ولافتات الفن للفن. و (الأميري) يصور - في روعة - الحقيقة المركبة في النفس البشرية ألا وهي الصراع بين الغرائز والأهواء الدنيا، وبين المبادئ والمثل العليا، ويختصر ذلك في جمالية مبدعة، ويقول:
"في نفسه ملك.. يلفه حلك .. كأنه فلك .."