فهرس الكتاب

الصفحة 2664 من 27345

إن (الأميري) يصور الاغراء وهو يستدرك الإنسان عن طريق الخطيئة والانحراف، ويصور استجابة النفس حتى لنوشك أن نقول أنه لا قدرة للنفس الضعيفة على المقاومة، ثم يصور لنا انتصار المثل والمبادئ على نوازع الشر ومهاوي الضلال تصويرًا يجعلنا نوقن أن نفس المؤمن لا تهزم، وإن الشيطان على الدوام يجثو في النهاية عند قدمي المؤمن الصادق في ضراعة ذليلة وتسليم مخذول، ويقول الأميري:

الأميري والشباب:

إن الذي يقرب (الأميري) من أجيال الشباب الناهضة انه (لا يرتدي مسوح الوعاظ ليقف فينا موجهًا ومرشدًا بأسلوب الأمر والنهي الجاف، بل إنه في شعره يبدو انسانًا ككل الناس له غرائزه وميوله وفيه نقاط الضعف المركبة في النفس؛ ومن يقرأ جل قصائده يلمس أنه كيف كان صادقًا في نقل تجاربه إلينا بصراحة وبلا مواربة لا كما يفعل بعض المتظاهرين الذين يريدون أن يوهموا الناس بأنهم من طينة أخرى، وإن وسوسات الشيطان وأحابيله ليس لها في حياتهم أي دور ولا في سلوكهم أي تأثير(5) وله من أبيات:

وأنت تجد (الأميري) يتألم من مفاتن الجمال ومغريات تستهويه وتصيبه، فيلوذ بجوار ربه ويعوذ بوزره، ويعترف بعجره وضعفه، وقد تلقى العلم في باريس الخلابة حيث الفتنة والإغواء وهو شاب ناشئ غض الشباب فحافظ على شرفه ومروءته وعاش عاليًا وغيره في سقوط.. ومن قصيدته الرائعة (ضراعة ثائر) يقول:

الأميري وصراع الهدى والهوى:

وهذا الصراع العنيف الذي عاشه الأميري - الشاعر الإنسان - ضد الثقلة والهبوط والقيد والضرورة القاهرة والتيه والانحراف لم يخلد به إلى التسليم والاتكالية وادعاء ضغط الواقع، بل حمل المسئولية وسار بكل إيجابية؛ يقول عنه صديقه الزبيري شاعر اليمن: (ظلت مشاعر صاحبنا مشغولة بهذه الحرب الخفية مع عوامل الاغراء والفتنة وفورة الشباب لا يصرفها عنه إلا نشاطه الإسلامي فقد كان هذا هو المجال الوحيد الذي يستطيع الهروب إليه من مرارة هذا الصراع، لذلك يقول زملاؤه الذين عاصروه في باريس وفي غير باريس بأن جهاده في سبيل القضية الإسلامية لم يكن في يوم من الأيام كما كان في فرنسا وطن المغريات والمفاتن ومن أبياته:

لقد تسامى (الأميري) بغريزته وحولها إلى قوة يناضل بها عن الإسلام فحمل على عاتقه عبئًا ضخمًا من أعباء الحركة الإسلامية، ولكنه في شعره يطلق نفسه على سجيتها فيتجلى فيها الألم والضيق من مرارة هذا الصراع وفي صمود المسلم وإصرار المجاهد يقول:

النصر مع الصبر:

إننا في عصر الهزائم والاستدراك هذا، أشد ما نحتاج إليه هو الصمود والصبر، ليتحقق ما نرجوه من نصر، فإن المسلم يوقن أن النصر مع الصبر، وجهاد النفس يسبق كل جهاد، فإذا لم ننتصر في معركتنا الصغيرة مع ذواتنا ودنيانا وهوانا وشيطاننا فلن ننتصر يومًا على جهلنا وتأخرنا وتخلفنا، ولن يكون لنا عندها في معين النهضة منهل، وهذا (الأميري) يدعو إلى الصبر والصمود بلغته الخاصة، فيقول في مقطوعته (زفرة) :

الأميري .. مع الله:

و (الأميري) دائمًا في غمرة صراعه يتطلع إلى الله في حرقة ولهفة ألا يدعه يهوي؛ ولم يستطع الأميري نشر شعره - تأدبًا - قبل أن يكون عن الله ومع الله، فنشر أول دواوينه وكان بعنوان مع الله وهاهو ذا يناجي ربه في مقطوعته (شكوى) بقوله:

عندما يغيب الصمود:

ويرسم (الأميري) - بحزن - صورة الواقع الإسلامي عندما يفارقه الصمود، فتبرز الدنيا في أركانه، وينقلب الميزان؛ فيعلو الفاجر ويعجز الثقة:

ويخاطب (الأميري) المستقبل الغائب، في لوحة شعرية رائعة أسماها (افتحي الباب) .. وكأنه قد رسم للغيب بابا والمسلم طارقه:

ولا تهدأ نفسه حتى يعلن عزمه على خوض الصعاب مادام الله معه في طريقه ومساره:

وهنا نتذكر الحديث النبوي الشريف عن حذيفة - رضي الله عنه - مرفوعًا:"يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغريق"، و (الأميري) لا يخوض صراعًا مع نفسه والصعاب إلا ويستغيث بربه أن يسدد خطاه، ويكمل مشواره في مقطوعته السابقة ويقول:

إرادة الصمود وإرادة التغيير:

كان هذا هو (الأميري) في شعره وصموده والتجاءه لربه، ونحن اليوم إذ نواجه الحملة الصليبية الجديدة على عالمنا الإسلامي، وسيل الإعلام الموجه على ثوابتنا بلا سدود، وافرازات العولمة تلف مجتمعاتنا، وتبعات الحاضر، وتطلعات المستقبل، في أعناقنا.. لا خيار لنا سوى تقوية صفوفنا الداخلية بارادة الصمود حيال عاديات العصر، والصبر على واجبات التغيير في ثقة بالنصر من الله العزيز الحكيم.. وهذا ديدن (الأميري) في شعره:

وبعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت