فهرس الكتاب

الصفحة 13925 من 27345

ثلاثيات إيمانية 2""

أ. صلاح عبد العزيز

الأمور ثلاثة: واجب .. و مستحيل .. و ممكن.

الواجب: - أن يكون لهذا الكون إله ؛ و هو الله سبحانه

المستحيل: - أن يكون مع الله إلهًا آخر.

الممكن: - كل ما عدا ذلك فهو في دائرة الممكن.

هذه الثلاثيات تفتح لصاحبها آفاقًا جمَّة .. أهمها توحيد الخالق سبحانه و نفي الشرك عنه.. ثم إنها توجد تصورًا صحيحًا و منطقيًا لحقائق الأشياء، و تفتح أمام العبد روزنات يخوض من خلالها حياته بأمل و عزم ينصهر أمامه الحديد و تُدك له الجبال .. فكل شيء ممكن... ألم يُنقل عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين في ثوانِ معدودات و لم ينشرخ ولم يتصدع!!

إن تقوية هذا التصور الإيماني و تعزيزه في أعماق ضمير المؤمن من شأنه أن يشحذ الهمم الخائرة المستسلمة لواقع الأمة المرير.. إلى القمم الشُم العوالي.. متمثلًا قولة عقبة بن نافع عند فتحه الشمال الأفريقي و قد وقف أمام شواطئ المحيط الأطلسي: ( اللهم إن كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضًا .. لخضته في سبيلك ) ..

إذا كان المنطق العقلي يستوجب أن يكون لهذا الكون إله قادر على الخلق و الإيجاد من عدم .. فأي تصور لكمال صفاته وجلال عظمته لا يرتقي بصاحبه إلى قمة التنزيه و الوحدانية هو تصور قاصر قد ينحرف بصاحبه عن جادَّة الصواب و يودي به في منزلقات الدهرية أو الوجودية أو الإلحادية .. و إذا سلم صاحب العقل السليم باستحالة أن يكون مع الله إله آخر .. أنقذه هذا التسليم من وحل الشرك ... و أوصله إلى بر التوحيد و شاطئ الشكر و العرفان... أفلا يكون عبدًا شكورا !!

و نوع آخر من ثلاثيات التزكية الإيمانية و ثمرة من ثمارها .. هو تمام الأخلاق... فتمامها ثلاث:

1-أن تكون مع الحق سبحانه بغير خلقِ

أي أنك تعيش مع مولاك تراقبه و لا ترى سواه.. فتُسقط مراقبة الخلق لك و مراقبتك لهم في كل أعمالك و أقوالك.. و هذا هو تمام الإخلاص"أن تكون مع الحق بغير خلق".

2-أن تكون مع الخلق بغير نفس

أثناء تعاملك مع خلق الله .. تحاول جاهدًا أن تُسقط حساباتك الخاصَّة !! أي أن تُقدمَ مصلحة أخيك على مصلحتك .. و أن تُسقط من قاموسك"أنا و لي"و هذا مقام صعب المنال إلا من وفقه الله لوصوله.. وهذا هو مقام الإيثار.

3-أن تكون مع النفس بغير أمن

و هي حالة طوارئ تدعو المرء إلى مراقبة نفسه في سكناتها و خلجاتها .. و عليه أن يتهمها دائمًا لأنها أمّارة بالسوء .. و إن هي محضتك النُصح فاتهمِ.. و ذاك من أصعب المقامات ؛ إذ هو مقام المراقبة !! فمن منا إن راقب نفسه لا يغفل و لو هُنيهة ؟! فقد يُراقب أحدنا نفسه و يضعها تحت المراقبة سنوات و أيامًا و ساعات... و في لحظة غفلة عن خطورتها .. قد تورده المهالك .

فمن تخلق بهذه المقامات الثلاث .. مع الحق و الخلق و النفس.. وصل الذُروة في الإخلاص و الإيثار.. و امتلك زمام نفسه.

تصور معي أخي القارئ رعاك الله أن مناهجنا التعليمية و التربوية قد بنيت على أن تخرج أجيالًا تتحلى بمثل تلكم الصفات و ترقى بها أعلى مقامات.. إخلاص في القول و العمل .. بعد عن الأنانية و الشح!! بل إيثار للآخر و تقديم له على النفس .. يقظة في الضمير و إرهاف في الشعور .. تصورت معي كيف كان سيؤول حال الأمة و تأخذ مكانها بين أمم الأرض الأخرى التي و إن بلغت شأوًا كبيرًا في الارتقاء المدني .. إلا أن السمو الحضاري يعوزًُها !! و ذاك لا يتأتى إلا بمكارم الأخلاق و تمامها . و هذا البديل الحضاري لا تملكه إلا أمتنا الإسلامية إن امتلكت عوامل الرًقي المدني المادي .. و ربطته أولًا وآخرًا بخلق القرآن.. و سيرة خير الأنام صلى الله عليه أفضل صلاة و سلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت