الاختلاط بين الواقع والتشريع إبراهيم الأزرق*
الفصل الأول: الاختلاط تحت أضواء الشريعة
تقريظ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فقد أطلعني أخي الكريم الشيخ أبوعبدالرحمن إبراهيم الأزرق على بحثه الموسوم بـ (الاختلاط بين الواقع والتشريع) فألفيته بحثًا قيمًا، عالج فيه
قضية من أهم القضايا الشرعية الاجتماعية المتجددة، فإن موضوع المرأة أصبح الشغل الشاغل لأعداء الله والملة، يحاولون أن ينفذوا من خلاله إلى
هدم مقوم من أهم مقومات بناء كيان الأمة. حيث إن المرأة المؤمنة تمثل ركيزة مهمة في بناء الأسرة المستقرة، فهي التي تُخرج الأجيال، وتُعد
الأبطال لمواجهة أعداء الملة والإنسانية.
ولقد كانت أول فتنة بني إسرائيل في النساء، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ثم كان الهلاك والبوار، وأعداء الله من اليهود
والنصارى وإخوانهم من منافقي هذه الأمة يريدون أن يسروا بنا حيث سار أولئك، حذو القذة بالقذة، ولذلك أثاروا الشُبه، وبثوا الأراجيف، واختلقوا
الدعاوى، وقد أصغى إليهم فئام من الناس -رجالًا ونساء- فانخدعوا بحبائلهم، وتأثروا بأساليبهم، وصدقوا خصوماتهم.
ومن أبرز تلك المسائل ما يتعلق بقرار المرأة في بيتها، حيث سعوا بجد ونشاط، ودَأَبٍ لا يعرف الكلل، من أجل إخراج المرأة من حصنها المنيع،
وقاعدتها الحصينة، طمعًا في أن يتحقق لهم بذلك مناهم، ويظفروا بمبتغاهم، و"إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".
وإذا فارقت المرأة حصنها، فقد سعت من حيث تدري أو لاتدري إلى حتفها، إلاّ إذا كان ذلك لضرورة أو حاجة لاغنى لها أو لأمتها عنها، مع تحري
اليقظة والستر والحذر، وسرعة الأوبة إلى البيت والمستقر، لأن ذلك هو الأصل، كما تقرر في كتاب الله الفصل:"وقرن في بيوتكن ولاتبرجن"
تبرج الجاهلية"."
ولقد أجاد أبوعبدالرحمن وأفاد، وعرض الموضوع بأسلوب علمي راق، يخاطب العقل والعاطفة، يورد الأدلة ويرد على الشبهة دون إطناب مُمِل أو
إيجاز مُخل.
نفع الله بعلمه، وسدده وهداه، وبَلّغه في الخير مناه، وصلى الله وسلم على الحبيب المصطفى -محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
وكتب/ ناصر بن سليمان العمر
الشرقية - السبت 16/12/1424
مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلاّ وأنتم مسلمون"،"يا"
أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان
عليكم رقيبًا"،"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا
عظيما"."
وبعد، فإن نساء المسلمين في الصدر الأول، كُنّ دررًا مصونة، ولآلئ مكنونة، غير ولاجاّت خرّاجات، وإن خرجن للحاجات، فهن العفيفات
المتحفظات، وهكذا كانت نساء العرب أُنُفًا، وفي"المفضليات"قول الشنفرى:
وهذا أبو قيس بن الأسلت -مختلف في صحبته- يمدح إحداهن فيقول:
ثم جاء الإسلام وتمم مانقص، فسجل التاريخ لنساء الإسلام في العهد الأول، نزاهة ذادت مرؤة رجالها عنها طير الرِيَب، وعلى مِنْوال أولئك السابقين
الأولين، كانت عصور التابعين والأئمة المرضيين. ولاتحسبنَّ التمدح بالقرار ونبذِ مخالطة الرجال، كان شيمة العلماء والصالحين فحسب، بل هي
صبغة ذلك الجيل، يقول شاعر الغزل جميل -في أوائل القرن الهجري الثاني:
خُودٌ مِنْ الخَفِرَاتِ البِيْضِ لم يرها بِسُدَّةِ البيتِ لا بَعلٌ ولاجَارُ
وعلى هذا الأسلوب جرى مدح العرب عدة قرون، فهذا الرضي أشعر القرشيين في أوائل القرن الهجري الخامس يشيد بامرأة فلا يجد أجدر من أن
يقول:
وقد ظلت نساء المسلمين مصونة في مدن حصينة ضد غزو التغريب، عبر عقود بل قرون ازدهرت فيها حضارة الإسلام، بينما كان يقبع غيرهم في
ما يُعرف اليوم برجعية العصور الوسطى، أو عصور الظلام.
ثم مع انحسار العفاف رويدًا رويدًا، بدأت تنحسر دولة الإسلام شيئًا فشيئًا، ومع ذلك ظلت بعض المدن تعرف بالصيانة والعفاف، يقول ابن العربي -
رحمه الله- في النصف الأول من القرن السادس:"ولقد دخلت نيِّفا على ألف قرية من بريَّة, فما رأيت نساء أصون عيالًا, ولا أعفَّ"
نساءً من نساء نابلس التي رُمي فيها الخليل عليه السلام بالنَّار, فإنّي أقمت فيها أشهرًا, فما رأيت امرأة في طريق نهارًا, إلاَّ يوم الجمعة,
فإنهنَّ يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهنَّ, فإذا قُضيت الصلاة, وانقلبن إلى منازلهنَّ لم تقع عيني على واحدةٍ منهن إلى الجمعة الأُخرى.