وسائر القُرى تُرى نساؤها متبرِّجاتٍ بزينةٍ وعُطْلَة [2[, متفرِّقاتٍ فِي كلِّ فتنةٍ وعُضْلَةٍ[3] . وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن
من مُعتكَفِهِنَّ حتى استشهدن فيه" [4] ."
ثم استشرت الفتن، وجاءت الأهواء فساقت الناس نحو جحر الغرب المظلم، فبعد أن كان الاختلاط علقمًا يشرق به الخاصة والعامة، بدأت عملية
تسويغه، عن طريق المدارس الاستعمارية العالمية [5] ، بدعوى أن علاج (الرجل المريض) يكمن فيها، وذلك مطلع القرن الرابع عشر، فما بلغ
أبناء تلك المدارس الخمسين، وما انتصف القرن، إلاّ وقد مات (الرجل) ، بعد أن هيأت تلك المناطق المشبوهة مناخًا جيدًا لتفريخ أجيالٍ من
المستغربين، الذين رأوا أن استعادة الأمة مجدها، وعودها إلى سابق عهدها، وخروجها من واقعها المظلم، لن يكون إلاّ بإحراق كل فضيلة، في سبيل
(التنوير) .
هذا ومع خفوت وهج مصابيح الدجى، عميت أنباء الشريعة على كثير، واستُبهمت واضحاتها، فاختلط حكم الاختلاط، والتبست أحكام اللباس، و(
استعجم) العرب ما جاء في التشريع وبخاصة ما يخص المرأة.
فكانت الفرصة مواتيةًً لخروج دعايا ودعِيّات التحرير، اللآتي لم يرفعن بهدى الله رأسًا، ولم يرين في وأد العفة بأسًًا.
فنادوا بتغريب الفتاة، وعمدوا إلى إلغاء كل تشريع إسلامي يخص المرأة، بتدرج محسوب، وخطوات بطيئة، يستدرجون بها الغافلين والغافلات،"فقال"
قائلهم أول الأمر: مادام الرجل التركي لايقدر أن يمشي علنًا مع المرأة التركية، وهي سافرة الوجه فلست أَعُد في تركيا دستورًا ولاحرية.
ثم بعد هنيئة قال الآخر: ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت، ولو كان من غير المسلمين، بل ما دامت لا تعقد (مقاولة) مع
رجل تعيش وإياه كما تريد، مسلمًا أو غير مسلم، فإنه لا تعد تركيا قد بلغت رقيا.
ويعقب شكيب أرسلان بقوله: فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور، ولاهي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما
تشاء، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصلة بعضها ببعض" [6] ."
"لقد كنا وكانت العفة في سقاء من الحجاب موكوء، فما زالوا به يثقبون في جوانبه كُلَّ يومٍ ثقبًا، والعفة تتسلل منه قطرة قطرة حتى تَقَبَّضَ وتَكَرَّش،"
ثم لم يكفهم ذلك منه حتى جاءوا يريدون أن يحلوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة" [7] ."
إن من أمعن النظر في حال المسلمين اليوم، وحالهم قبل عقود رأى كيف يسير ركب التغريب، وعلم أين يحُطُّ من يَمَمَ سَمْتَهُم، واقتفى أَثَرَهُم.
وكما ترى فإن الطريق دون ما يريده قَذِعُ المنطق [8] بعيد، له مراحل شتى، ربما حل أول تلك المراحل طيبون، استبعدوا أن يحط بهم من يعزم
قطعه، ولكن سرعان ما جاورهم آخرون، فتتابع الناس في طريق الفتنة.
ولهذا كان التحذير من تلك السبيل أحد المهمات، ولاسيما بعد أن بدأ الاختلاط يشيع في المجتمعات المحافظة، فضلًا عن غيرها، ولعله من المناسب أن
يكون ذلك ببيان حكم الشرع في تخطي باب الحجاب بتلك الخطوات التي تخطوها المرأة، فتخرج بها عن حرز عفتها مختلطة بالرجال، مع تنبيه أخت
الإسلام إلى حيث ساقت غيرَها تلك الخطواتُ.
وهذا البحث محاولة لتقرير الحكم الشرعي لاختلاط الرجال بالنساء، مع بيان شيء من الآثار السيئة والعواقب الوخيمة، التي لحقت من انساق وراء
تلك الفتنة.
وقد جعلته قسمين؛ الأول: دراسة فقهية تبين مراعاة الشريعة، لأصل الفصل بين الرجال والنساء، وفيها تسليط الضوء على بعض التشريعات التي
ربما اشتبهت على البعض، وبيان مراعاة صاحب الشريعة فيها المنع من الاختلاط، ثم تأكيد ذلك بذكر طرف من الأدلة على حرمة اختلاط الرجال
بالنساء، مع بيان وجه دلالتها، ثم عقبت بذكر بعض كلام أهل العلم في المنع من الاختلاط، وأخيرًا تناول البحث بعض الشبه التي ربما أثيرت حول
الموضوع.
والقسم الثاني: دراسة ثقافية في أضرار الاختلاط ومفاسده، جمعت فيها شيئًا من أقوال الغربيين، وإحصائياتهم الرسمية من مصادرهم المعتمدة، مع
ذكر حقائق وأرقام من أرض الواقع، تبين لذوي العقول السليمة، والفطر المستقيمة، الحكم العظيمة في منع اختلاط الرجال بالنساء في الشريعة.
وقد حرصت في هذه الدراسة على الإحالة إلى أصول النقول، من باب نسبة الفضل إلى أهله، ولأن المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور،"نعوذ"
بالله من طفيلي تصدر بالوقاحة" [9] ."
اللهم إلاّ ما طوى النسيان موضعه أوصاحبه، وبقي معناه في الذهن، فأنشئ له العبارات، وأطلقه عن أهل العلم أو بعضهم.
أما الشبهات فلم أحرص على عزوها لأمور أهمها أنها ليست مما يتكثر به، ولأن أكثرها عرض إما في صحيفة سيارة، أو مجلة مشهورة، أو وسيلة
إعلامية مرئية أو مسموعة، كما أنك لاتدري أيُّ القائلين ابتدرها أو تولى كبرها.
وفي ختام هذه المقدمة لايسعني إلاّ أن أتقدم بجزيل الشكر وأوفره لمشايخي وإخوتي بمكتب فضيلة شيخنا ناصر بن سليمان العمر، وعلى رأسهم