فهرس الكتاب

الصفحة 10694 من 27345

المعرفة

في مجتمع أمي ، و تحت قيادة نبي أمي و على الرغم من فقر المسلمين و شدة حاجتهم إلى المال ، إلا أن الرسول صلى الله عليه و سلم جعل فدا الأسير من أسرى بدر تعليم عشرة من الصحابة القراءة و الكتابة ، فكانت تلك النوعية الجديدة من الافتداء بمثابة الفهم و التطبيق العملي للأمر الآلهي ( اِقرأ ) لأمة أراد الله تعالى لها أن تتربى على الوعي بأهمية العلم و خطورة مكانته في صناعة الحياة ، فلم يأتي الأمر بالاستزادة إلا منه ( و قل رب زدني علما ) ، و لا تكون الرفعة لهذه الأمة بالإيمان وحده من دون العلم ( يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات ) ، و هو سبب الاصطفاء عند القيادة ( قال إن الله اصطفاه عليكم و زاده بسطة في العلم و الجسم ) ، ( قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ) و هو الضمان لاستمرار حكم الحاكم ، فأي حكم يدوم مع الجهل ( و كلا آتينا حكما و علما) ، و هو سبب التفضيل على باقي الأمم و قد يأتي قبل الإسلام و الإيمان ( و أوتينا العلم من قبلها و كنا مسلمين) .

و قد ذكر صاحب فتوح البلدان أن حفصة بنت عمر رضي الله عنها قد تعلمت أصل الكتابة على يد الشفاء العدوية و قد أسلمت و حسن إسلامها ، فلما تزوجت حفصة من الرسول صلى الله عليه و سلم ، ما كان منه إلا أن طلب من الشفاء أن تكمل معها و تعلمها تحسين الخط و تزيينه كما علمتها اصل الكتابة ، و هو النبي الأمي ، فما بال الرجل المسلم اليوم إذا تفوقت اِمرأته عليه علمًا و حكمة !

و لأهمية العلم خالف ابن الجوزي و بعض العلماء أهل السنة و الجماعة في تحديد أول ما يجب على المكلف ، فأهل السنة و الجماعة على أن أول واجب هو"الشهادة"، في حين ذهب ابن الجوزي أن أول واجب على المكلف هو معرفة الله و معرفة الطريق الموصلة إلى ذلك عن طريق النظر و الاستدلال .

و لكم حفلت العصور الإسلامية المتقدمة بالعلماء الموسوعيين و احتلت الثقافة المكانة التي تليق بها من خلال الترجمة و الإطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى ، و لكم ساهمت المعارف و العلوم الإسلامية في تشييد حضارة الغرب ، فما الذي آل بنا لتكون سمة العصر الذي نحياه هو الزهد بكل ما تعني هذه الكلمة في طلب العلم و التزود من المعرفة بالرغم من هذه الثورة الهائلة في عالم التقنية و الاتصالات و التي كان من المفترض أن تساهم في رفع المستوى الثقافي و الفكري للشعوب العربية ، إلا أن الحال صار كما عبر عنه فضيلة الدكتور بكار أن التلفزيون قتل الكتاب ،

و يمكن للمرء أن يضيف بلا مجازفة أن الانترنت و الذي انتج لنا ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة"التيك واي"قد أخفى الجثة تمامًا عند البحث عنها و محاولة ترميمها ، فقط من اجل الإبقاء على صورتها!.

و نحن نستقبل عامًا دراسيًا جديدًا ، و الذي بات كضيف ثقيل يحمل معه الكثير من الهموم و المتاعب للطلبة و الطالبات ، يصاحب هذا الشعور عزوفًا لدى الكثير منهم عن التزود بمعارف إضافية و الاكتفاء بأقل القليل من المعلومات لضمان النجاح و الحصول على الشهادة المنشودة .

من سلك طريقًا يبتغي به علمًا نافعًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة ، و الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم و تستغفر له حتى الحيتان في البحر ، مع رفعة شأنه و مكانته في الدنيا ، لماذا غابت هذه المحفزات عن أذهان الكثير من طلبة العلم اليوم ؟

هل لغياب المحفزات المادية كالمال ، فكثيرًا ما يحول الفقر دون إكمال المسيرة التعليمية للطالب و بخاصة مع ارتفاع أسعار المستلزمات الدراسية لكثير من الأسر ،

أم هي البيئة و التي أحيانًا تكون محفزة و قد تكون مثبطة و بخاصة في الأوساط التي تعنى كثيرًا بالحرف و ترى فيها سبيلًا مضمونًا للاستقرار المادي ،

أم الحالة المتردية للكثير من المدارس و الجامعات من ناحية نقص الإمكانات ،

أم التخبط في السياسة التعليمية حتى باتت الثانوية العامة على سبيل المثال في الكثير من البلدان العربية حقل تجارب بين الرغبة في التجديد و اللحاق بركب الحضارة و لكن من دون تخطيط جيد مما ينشأ عنه الكثير من التخبط و العشوائية ، فيفقد الطالب الإحساس بالاستقرار إذ هو معرض دومًا لتغيير النظام و الآليات التي من خلالها يتلقى تعليمه،

أم هي سياسة التلقين و التي لا زالت معتمدة إلى الآن مقابل ندرة البحث و الاهتمام به و توفير أدواته،

وعليه فهل المؤسسة التعليمية في أوطاننا العربية بحاجة إلى إصلاح و هل يمكن القيام بذلك من دون فك الارتباط بينها و بين القرار السياسي ، فلا زال معظم الإنفاق في الدول العربية يخص المجال العسكري ،

أم المعلم هو الذي بحاجة إلى هذا الإصلاح و التطوير ، فهو صاحب أسمى رسالة في هذا الوجود و مع ذلك فكثيرًا ما يؤديها على أنها وظيفة يتقاضى أمامها راتب و ينتهي دوره بذلك ،

أم المناهج هي التي بحاجة لهذا التطوير و كيف يمكن تفعيل هذا التطوير بأيدينا لا بأيدي غيرنا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت