معتصم أبّكر محمود*
إنك لتجد آلاف الكلمات التي تعبر بها عن فرحك، ولكن عندما تحزن تعجز عن قول عبارة واحدة، فتتراقص حولك كلمات الآخرين.
وأنا في غرفتي أتمرّغ في حزني، فكأن هؤلاء العقلاء من الغرب جاءوا لعزائي، وكأن (اتيين دينييه) يربت على كتفي، ويقول: إن صورة نبينا الجليلة التي خلّفها المنقول الإسلامي تبدو أجل وأسمى إذا قيست بهذه الصور المصطنعة الضئيلة التي صبغت في ظلال المكاتب بجهد جهيد.. ونرجو أن يعرف العلماء ضلالهم؛ فيعدلوا عن النيل من هذه الصروح المعجزة التي رفعها التاريخ؛ إقرارًا بفضل أنبياء العرب، وأنبياء بني إسرائيل على الإنسانية؛ فإن هذه الصروح أصلب من أن تخدشها تلك المعاول).
وكأني أقول له: (شكرًا لك؛ لقد كنت فنانًا رائعًا دافعت بريشتك وقلمك عن الإسلام) .. وكنت أريد من الناس أن يعرفوا حقيقية الأشرار الذين يحاربون الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحاربون الإسلام، وكأن الكونت هنري دي كاسترو يقلل من شأنهم، ويمسح دمعة كانت على خدي؛ إذ يقول: (وكان سلاحهم الوحيد في التأييد سواقط حججهم أن يشبعوا خصمهم سبًا وشتمًا، وأن يحرفوا في النقل ما استطاعوا، وكنت أريد أن أقول شيئًا للغربيين الذين يتدثرون بذلك التحدي الأحمق؛ فقال الكاتب الإنجليزي كالارين:(من العار أن يصغي كل إنسان متمدين من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين إن دين الإسلام كذب، وإن محمدًا لم يكن على حق.. لقد آن الأوان أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة؛ فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ظلّت سراجًا منيرًا أربعة عشر قرنًا من الزمان لملايين الناس ) ) .
وكل هذا لم يثلج صدري؛ فكنت أريد أن أقول شيئًا للعالم أجمع، وأذكّر به المسلمين؛ فقال اللورد هيدلي نيابة عني: (محمد المثل الكامل.. نحن نعتبر أن نبي بلاد العرب الكريم ذا أخلاق متينة، وشخصية حقيقية وزنت واختيرت في كل خطوة من خطا حياته، ولم ير فيها أي نقص، وبما أننا في احتياج إلى نموذج كامل يفي بحاجاتنا قي خطوات الحياة فحياة هذا النبي المقدس تفي بهذه الحاجة) .
لم تكن الدنمارك تعلم أنها بفعلتها تلك قد أهدت المسلمين حبوبًا منشطة أبطلت مفعول المنوّم الذي أخذته قبل سنوات.. لقد خرجت إلينا بثوب يعكس ما بداخلهم جليًّا؛ فذلك الرسم ربما أبلغ من كل ما كتبه القسيس لامانس، وات، بروكلمان، مرجليوت، إسكندر دريون، فلهاوزن وغيرهم من الذين شوّهوا صورة الإسلام الواضحة المعالم.
حينما نتطرّق إلى موضوع كهذا يجب ألا نتحدث عنه لمجرّد أنه حديث الساحة، يجب علينا أن نبعد عن أذهاننا هذه النزعة اللحظوية التي لا تولّد سوى حماسة عظيمة لكنها وقتية ولا تفيد في معركة كبرى كهذه، يجب علينا أن نتوغّل إلى أعماق أكثر جوهرية، فليست معاناتنا الراهنة سوى تراكمات لنظراتنا السطحية للأمور.
حدث كهذا كان جديرًا بأن يتوقف كل منا عنده قليلًا، كان لنا أن نبحث عن ماضينا ونعيد شريط الذكريات؛ فنرى الحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، والغزوات الاستعمارية، وتوطين اليهود، وآلاف الموتى والذين بذلوا دماءهم؛ وكان لنا أن نتوقف عند حاضرنا، وأنفسنا ودورها في ما يحدث من استعمار جديد بدعوى الإرهاب، أو تحرير الشعوب، وكان لنا أن نسأل ماذا يريد الغرب منا؟ وما هو مستقبل وجودنا؟ إلى أي صحراء ستقودنا القافلة؟.
إن هذه الدعاية المجانية للإسلام ربما تثير نفوس العقلاء من الغرب ليبحثوا عن الحقيقة مثلما فعل الفيلسوف رينيه جينو الذي كان إسلامه سببًا في إسلام الكثيرين.
لقد كان إسلام حمزة أسد الله نتيجة لسب أبي جهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: (لا تسبه فأنا على دينه؛ أقول ما يقول) .. وكانت الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا سببًا في حدوث مشهد بطولي قام به صبيان من الأنصار في غزوة بدر؛ سأل أحدهما عبد الرحمن بن عوف؛ فقال: (يا عم! أرني أبا جهل) ؛، فقال له: (يا ابن أخي! فما تصنع به؟) ؛ قال: (أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا) ، وقال الآخر مثل ما قال الأول.. وقتلاه.. فتعلّمنا منهما كيف يمكن لصبيين أن يُنهيا جبروت رأس الكفر.. وهذه النماذج قد تتكرر.. من الواجب علينا أن نغضب لما حدث، ولكن يجب أن نتصف بالعقلانية، فنبدأ بمعاقبة أنفسنا على التقصير أولًا قبل أن نشرع في القيام بردود الأفعال..