خالد بن فهد البهلال 6/3/1425
إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وإن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقكم أيها الأبطال لمحزونون.
و إنا لنشعر بهول المصاب وحسرة الفراق للطود الأشم والبطل الشهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي اغتيل يوم السبت 27/2/1425هـ، وقبله بست وعشرين يومًا قضى شيخه العلم والرمز المهم الشيخ أحمد ياسين رحمهما الله على يد الغدر اليهودية الآثمة، السلاح أمريكي الصنع، والسفاك يهودي الانتماء والصبغة، باستخفاف قاهر وتحدٍ سافر لأمة السلام التي تغط في سبات عميق.
ومن قبل الشيخين قضى ثلة آخرون، وفي الانتظار قائمة طويلة من الأخيار الذين باعوا أنفسهم لله"فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر".
عليكم سلام الله وقفًا فإنني ... ...
أرى الموت وقّاعًا بكل شريف
فلك الحمد ياربنا على السراء والضراء، والشدة والرخاء.
لك الحمد مهما استطال البلاء
ومهما استبد الألم
لك الحمد إن الرزايا عطاء
وإن المصيبات بعض الكرم
ولئن ابتهج يهود لجريمتهم القذرة فإنا نعلم علم اليقين أن سيدفعون الثمن المر من دمائهم وأموالهم واطمئنانهم وبقائهم، بإذن الله الأجلِّ، وأمتنا ولله الحمد ولود معطاء، وبسخاء، وديننا وجهادنا ليس معلقًا بأشخاص يدور معهم حيث داروا، فديننا يصنع الرجال والأبطال، ويحيي الهمم الميتة، ويبعث الحياة في النفوس اليائسة.
كما نعلم أن الابتلاء هو ضريبة التمكين، والعسل لايجتنى من دون ثمن، والله قد وعد عباده بالنصر والتمكين إن علم منهم الصدق في إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" [الحج:41] .
إن هذه الجرائم البشعة التي ترتكبها يهود لن تذهب سدىً، ولن يترنا الله فيها حقنا، فهي مما يستمطر غضب الرب وأسفه، ويستعجل عقوبته"فَلَمَّا آسفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ" [الزخرف:55] ، وسيكون الانتقام الإلهي ـ بإذن الله ـ على يد الذين عانوا من بغي وجور يهود.
لقد كان أثر المقاومة الأبية والجهاد في أرض الرباط بالغًا، وضاربًا في عمق الصف اليهودي المتشرذم، يكشف ذلك لنا وبجلاء ما نراه من تناقص ظاهر في أعداد المهاجرين، بل وردة عن أرض الميعاد ـ زعموا ـ، وما يعانيه الاقتصاد اليهودي من عجز وتدهور مع فقدان الأمن والطمأنينة، وانتشار الأمراض النفسية، وحالات القنوط واليأس والرعب، فلا بشائر تلوح تبشر بالسمن والعسل، ولكن مناظر دماء وأشلاء تتناثر ذات اليمين وذات الشمال، ووعود كاذبة، وأحلام غدت أوهاما.
وأما هذه البربرية الوحشية والهمجية الدموية في القتل والهدم، والنسف والقصف؛ فلأنهم قد انقطعت بهم السبل وضاقت بهم الحيل، وسيرتد ذلك سلبًا على أمنهم واقتصادهم وطمأنينتهم مضاعفًا ـ بإذن الله ـ.
إن ما ارتكبته أيدي يهود قد آلمنا وأثار حفائظنا، وأغاظ قلوبنا، لكننا نعلم أن ما أصابنا هو من عند أنفسنا، وأنه نتيجة مؤلمة لمقدمات خاطئة من التفريط والغفلة، والأثرة والتخاذل، والتنازع والانشقاق، على كل المحاور والأصعدة والمستويات مما تسبب بتسلط أعداءنا وهواننا على الناس، وعلى أنفسنا.
أيتها النفس أجملي جزعا ... ...
إن الذي تحذرين قد وقعا
لكن هذه النكبات الموجعة، والمصائب المروعة التي تعتورنا، وتنزل في ساحنا لا يجوز أن تمر علينا مر الكرام، ولا أن يذهلنا الحزن على أنفسنا عن العمل لها، بل ينبغي أن تكون هذه المرارات حافزًا لنا، ودافعًا قويًا إلى أن نصحح أوضاعنا ونصفي قلوبنا، ونوثّق بربّنا علاقاتنا، ونصلح دنيانا، ونسلك الجدد، ونتقي العثار، وأن نكلف من العمل لديننا ودنيانا ما نطيق، ونبذل الجهد والوسع، ونخلع الراحات، فإنما يبلغ الراحات من تعبا.
وما العيشُ؟ لاعشتُ إن لم أكن ... ...
مخوف الجناب حرام الحمى
إذا قلتُ أصغى لي العالمون ... ...
ودوّى مقالي بين الورى
إن هذه الأحداث وإن أسكت مسامعنا، وأحزنت قلوبنا، وأقضّت مضاجعنا إلا أنه ومن خلال النظر إلى الزاوية الأخرى المقابلة يتجلى للمتأمل إلى درجة التألق مظاهر مفرحة، ومشاهد مبهجة، تضخ الأمل في النفوس المحبطة، وتعيد الثقة والطمأنينة إلى القلوب المشفقة، وذلك من خلال وجود كوادر على مستوى الحدث، تجيد التخطيط والمناورة والتسديد في الهدف، مع صبر واحتساب وطول نفس، وتعلق بالله وثيق جعل الإسلام رقمًا صعبًا في القضية الفلسطينية التي طالما أنهكتها الشعارات الجوفاء وأضرت بها الرايات الخرقاء.