فهرس الكتاب

الصفحة 6057 من 27345

التي هي أحسن ...

قال تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للانسان عدوًا مبينًا}

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

كلام يستحق البدء فيه: شرف الكلمة في حسنها، وحسنها في قطعها على الشيطان مداخله. ومن تأمل هذه الآية التى صدر فيها الكلام علم مأتى هذا الكلام ومصدره، وأن القول الحسن شرف لصاحبه، به يملك ما لا يملكه الآخرون، فيغتني به ويحق له ذلك، كيف لا وهو دليل على صقل نفسه، ورفعة قدره، لأن الكلام إعراب عما في النفس، وإبانة عما هي عليه، فقبح الكلمة قبح لمعدنها ومخرجها، وحسنها حسن لمأتاها ومأخذها، والأقوال ليس مصدرها اللسان ولا هو صاحبها، وليست من لدنه تنشأ، إنما مخرجها النفس والقلب، فهما صاحباها، منها تبنى وفي مواطنها تشاد، وليس يبني إلا ما كان دليلًا عليه معبرًا عنه، فحسن الكلام حسن لنفس صاحبه، وشرف الكلام شرف لمقام قائله، ومالك حسن الكلام أقدر في الوصول إلى هدفه، وأبصر من غيره في معالجة حوادث أيامه ونوازل أقداره، فما الناس إلا أهل انفعال ومقابلة لهذا الكلام الذي هو عنوان إنسانيتهم، يسمعونه فتحمى نفوسهم أو تخمل، تجود أو تبخل ، تقدم أو تجبن، فبها يصبغون، وعلى طرازها يتواردون، فمالك حسن الكلام مالك لنفوس الناس وإرادتهم ، بها يقطع عليهم سبل الشيطان والهوى، ويعطل منافذه على قلوبهم وأنفسهم، حتى قيل: {ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة}

{وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} في معرض ذكره -جل في علاه- لجملة من الأوامر التى يعلمها عباده، مع ما يرافق هذه الأوامر من تعظيم لشأنه -جل وعز- وتنبيه لحال خصوم الأمر الإلهي جاء هذا الأمر والإرشاد بهذا المطلع الرحيم الودود الدال على التحبب: {وقل لعبادي} ومن تأمل كلمة {قل} في كلام الرب سبحانه علم أنها على وجه يراد منها التنبيه والتكرار، أي ذكرى بعد ذكرى، وعظة بعد عظة، والإ فما وجه ذكر الواسطة هنا -وهو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم- وقارىء القرآن المتعظ به يعلم متكلمه ويعلم واسطة التبليغ له، ثم إفادة الإعادة والتكرار مرة بعد مرة لحاجة الناس له من جهة وسرعة غيابه عنهم من جهة أخرى، فقل يا محمد، {لعبادي} ولما كان الموطن موطن شرف ورفعة قدر، ولما كان باب هو في المعالي كان هذا الخطاب لهم، والتذكير هم أحق به وأهله.

{يقولوا التي هي أحسن} : والحسن جمال وتمام لا يقع اسم الحسن إلا على اجتماعهما، وبتمامها تميل النفس إلى صاحبها، وترتاح له وتبتهج للقياه، والحسن يكون في الخلقة كما يكون في الخلق، كما يكون في القول، وههنا أمر بحسن القول، ولا يكون القول حسنا إلا بفضل النظم ورقة المعنى وتجنب البذاءة والقبح، حينها يتغلل إلى نفس المخاطب ويحصل المراد، وتقطع على الشيطان منافذه وسبله.

والقول الحسن هدية كما قالوا: نعم الهدية ونم العطية كلمة حكمة تطوي عليها ثم تبلغها أخا لك في الله، والتلاق بين العبودية لله وبين القول الحسن بين ظاهر في هذه الآيه، لأن خلق العبد لا يتجزأ في وديان متضاربة، فحسن العمل مع الله لا يكون مع سوئه مع الخلق"فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله"ومن االأمور التي يجدر التنبيه عليها هي تلك الكلمة العظيمة التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما وطئت قدمه الشريفة المدينة النبوية، وهي أول كلمة قالها لتعبر عن مقومات المجتمع المسلم، فقد قال عبدالله بن سلام (الإسرائيلي ) ، أبو يوسف حليف بني الخزرج، وقد بشر بالجنة كما في البخاي (6/623) : قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة استشرفه الناس (أي رفع الناس أبصارهم يتطلعون إليه) فقالوا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت فيمن خرج فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته يقول"يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام"

فانظر رعاك الله كيف جمع حسن العمل مع الله ورعاية العمل مع الخلق من إخوانه المسلمين.

ومن تفكر في هذا علم عظمة هذا الدين وإحاطته لما يصلح النفس والبشر، وإلا فأي دين أعظم من أن يجعل تمام العبودية لا تقوم إلا على إحسان المرء للفظه وتقويمه للسانه وتثقيفه لمنطقه، وأي خير أعظم من هذا الذي لا يطلب من أتباعه الحسن فقط، بل يشدهم إلى الأحسن لا ليتم الفضل فقط، بل ليقع التفضيل أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت