من خطبة جمعة في 15 من ذي الحجة 1424هـ - 06/02/2004
أيها المسلمون: أخرج الإمام أحمد بسنده عن ابن شماسة، أن معاوية بن خديج مر على أبي ذر، وهو قائم عند فرس له، فسأله: ما تعاني من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته. قال: وما دعاء بهيمة من البهائم؟ قال: والذي نفسي بيده ما من فرس إلا وهو يدعو كل سَحَرٍ فيقول: اللهم أنت خولتني عبداً من عبادك، وجعلت رزقي بيده، فاجعلني أحبّ إليه من أهله وماله وولده. وعنه أيضاً t قال: قال رسول الله r: «إنه ليس من فرسٍ عربيٍ إلا يُؤْذَن له مع كل فجر يدعو بدعوتين، يقول: اللهم إنك خوّلتني من خوّلتني من بني آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه، أو أحبَّ أهله وماله إليه» رواه النسائي. وفي صحيح البخاري عن عروة بن أبي الجعد البارقيّ أن رسول الله r قال: «الخيل معقود في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، الأجرُ والمغنم» .
أيها المسلمون: كانت الخيول هي الركوبة القتالية الفعالة ردحاً طويلاً من الزمن، واستخدمها العرب والعجم في حروبهم وتنقلاتهم السريعة قروناً عدة وأزمنة مديدة، ولذلك نجد الحديث عن الخيول في القرآن الكريم والشعر العربي وتراث الأمم كثيراً، يطول شرحه، ويصعب حصره. فالله سبحانه وتعالى يقول: ]وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [ (الأنفال) و (في سبيل الله) هنا تعني الجهاد. ويقول جل شأنه: ] وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [ (النحل 8) . وأما قوله تعالى ] ويخلق ما لا تعلمون[ (النحل) ففيه إشارة إلى إمكانية تغير هذه الوسيلة القتالية إلى وسائل أخرى، تبعاً لتطورات التصنيع العسكري، تحقق إرهاب العدو. وبالفعل فإن الانقلاب الصناعي الذي حصل في أوروبا، منذ ثلاثة قرون تقريباً، قد أحدث انقلاباً في وسائل القتال أيضاً. فاختُرِعت العربات العسكرية المجنزرة ونصف المجنزرة لنقل الجنود، وكذلك اختُرعت الحافلات والقطارات والبوارج الحربية والغواصات لنقل الأفراد والأسلحة والأمتعة، ما أوجد طفرةً في مجالات النقل والحضور السريع إلى مواقع الصراع مهما كانت بعيدة. فكان من الطبيعي أن تحل السيارة والحافلة والقطار وغيرها مكان الفرس لتحقيق الغرض العسكري والمدني المنشود، وكان من الطبيعي أيضاً، نظراً لسعة الفقه، أن يتوقف المسلمون عن التمسك بالخيل كوسيلة مواصلاتٍ تنقلهم إلى مواقع المعارك وساحات الوغى، وأن يبذلوا وسعهم في تطوير قدُراتهم القتالية تبعاً للمستجدات الصناعية والمتغيرات التقنية. بل إن الحكم الشرعي في مثل هذا العمل هو الوجوب، كونه مرتبطاً بالجهاد الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ناهيكم عن قضاء الحاجات والمصالح والمآرب الأخرى.
أيها المسلمون: ويسري على الرميِ ما يسري على رباط الخيل، فقوله تعالى ] من قوة[ يعني الرمي، لقوله r: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» ، وقوله r: «ارموا واركبوا، وأن ترموا خيرٌ من أن تركبوا» . وقد تطور الرمي من الحجارة والسهام والرماح والنبال إلى المنجنيق ثم إلى أسلحة الرماية النارية، ثم إن الرمي اليوم كما تعلمون، مدافع ودبابات، وراجمات صواريخ وطائرات قاذفة، ومن الصواريخ ما يحمل رؤوساً نووية وكيماوية وجرثومية، وبالرمي حُسِمت المعارك، وكسبت الدول الكبرى حروبها، وبالرمي أهلكت أميركا أنظمة ميلوزوفتش وطالبان وصدام، وبالرمي قصفت الخرطوم وطرابلس، وبالرمي خضعت رقاب الأوروبيين لأميركا أيام نشر الصواريخ النووية في الأوروبيتين وتفكيكها. وقائمة فعاليات الرمي طويلة.