فهرس الكتاب

الصفحة 7221 من 27345

قاسم خضير عباس (*)

يطلق الدفاع المشروع على كل قوة لإزالة ضرر ودفع خطر عن النفس أو المال أو العرض، لهذا فهو سلطة وقائية يكون بموجبها للشخص (فعل ما يلزم شرعًا، لدفع خطر حقيقي غير مشروع، حال على حق معصوم) (1) .

وقد أوضح عبد القادر عودة في كتابه (التشريع الجنائي الإسلامي) معنى الدفاع المشروع فقال: (الدفاع الشرعي: هو واجب الإنسان في حماية نفسه أو نفس غيره، وحقه في حماية ماله أو مال غيره، من كل اعتداء حال غير مشروع بالقوة اللازمة لدفع هذا الاعتداء) (2) .

علمًا أن علاء الدين المروادي ذكر في (الإنصاف) أن: (الحنابلة لا يرون الدفاع عن النفس واجبًا إلا في حالة الفتنة، ومنهم من يوجب الدفاع عن المال إذا تعلق به حق الغير) (3) .

والمعروف أن بعض الفقهاء قد توسعوا في موضوع الدفاع الشرعي، حيث جعلوه موضوعًا عامًا شاملًا يستوعب الدفاع عن دار الإسلام من خطر الأعداء، فيما رأى آخرون أن الدفاع الشرعي والعنف المشروع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (5) .

وهكذا فإن الفقهاء المسلمين قد أجمعوا على حق الدفاع الشرعي ، لدفع الخطر غير المشروع عن الأعراض أو المال أو النفس، لكنهم اختلفوا في اللفظ الدال على هذا الحق، وفي تكييف الخطر المنصب على هذا الحق. فمنهم من جعله خطرًا محرمًا أو عدوانًا أو ظلمًا (6) ، فيما قال آخرون عن هذا الخطر بأنه: (من أريدت نفسه وحرمته أو ماله) (7) ، وذهب غيرهم إلى لفظ آخر وهو الصيال فقالوا: (للمرء قتل ما صال عليه، من آدمي أو بهيمة ولم يندفع إلا بالقتل إجماعًا) (8) .

لهذا فإن الشيعة الإمامية أباحوا الدفاع الشرعي، وأوجبوا مسؤولية المعتدي الجنائية والمدنية عن الأضرار التي يصيب بها المدافع (9) . وقد استدلوا بأحاديث منها الحديث النبوي: (من قتل دون ماله فهو شهيد) ، والحديث المروي عن الإمام الصادق (ع) : (أيما رجل عدى على رجل ليضربه فدفعه عن نفسه فجرحه أو قتله فلا شئ عليه) . أما الحنفية فقالوا: (ومن قتل دون ماله فهو شهيد) (10) ، وقالوا أيضًا: (دم المدفوع هدر ولا شئ بقتله لدليل قوله(ص) : (من شهر على المسلمين سيفًا فقد أبطل دمه لأنه باغٍ) (11) . كما أن الحنابلة قالوا: (دم المدفوع هدر، وهو إلى النار) (12) ، لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (13) . وقال الشافعية: (إن الصائل يجوز دفعه) (14) . وقال الزيدية: (وللمرء قتل ما صال عليه) (15) . وقال المالكية: (جاز دفعه بالقتل وغيره) (16) . وقال الظاهرية قوله (ص) : (من قتل دون ماله فهو شهيد) عموم لم يخص معه سلطانًا من غيره. ولا فرق في قرآن ولا حديث ولا إجماع ولا قياس بين من أريد ماله أو أريد دمه أو أريد فرج امرأته أو أريد ذلك من جميع المسلمين) (17) .

ومن المفيد ذكره في هذا الصدد.. أن فقهاء القانون الوضعي أجازوا الدفاع الشرعي، ووضعوا التكييف القانوني له فقالوا بأن: (آثار الإباحة هو أن يخرج الفعل من نطاق نص التجريم فيصير مشروعًا وينتفي الركن الشرعي للجريمة) (18) . وقد نص قانون العقوبات العراقي في المادة 42 على أنه: (لا جريمة إذا دفع الفعل استعمالًا لحق الدفاع الشرعي) .

ونص القانون السوري سنة 1949 على المعنى نفسه في المادة 183.

علمًا أن الدفاع المشروع نراه موجودًا في أغلب القوانين والتشريعات القديمة والحديثة، لكنه يختلف فيها من حيث تكييفه وشروطه وحدوده (19) . لهذا يذهب الدكتور حمودي الجاسم في كتابه (التعديلات الواجب إدخالها في قانون العقوبات العراقي) إلى أن: (التشريعات الوضعية توسعت في الدفاع الشرعي فشملت الأشخاص والأموال معًا) . علمًا أن الغرب أخذ بنظرية الدفاع الشرعي (كالقانون الإيطالي الحديث المادة 52، وقانون الدانمارك سنة 1930 المادة 13، وقانون بولونيا سنة 1932المادة 21، وقانون ليتوانيا سنة 1933 المادة 44، وقانون سويسرا سنة 1937 المادة33، ومشروع القانون الفرنسي الحديث المادة 113 و114) (20) .

وهكذا نعرف أن الدفاع الشرعي له تكييفه القانوني في الشريعة الإسلامية قبل القوانين الوضعية بأكثر من 1400 سنة، مما يدل على عظمة الإسلام وسمو قواعده القانونية. خصوصًا وأن بعض الفقهاء - كما قلنا سابقًا - يتوسعون فيه ليشمل الدفاع عن الإسلام والمسلمين ودفع الأخطار الخارجية وفق قواعد القانون الدولي الإسلامي الأخلاقية.

لهذا فإن الموضوعية تحتم علينا أن نتناول الدفاع الشرعي في القانون الدولي العام ، وفق منهجية علمية تستقرئ وتقارن بين القواعد القانونية الموجودة في القانون الدولي الإسلامي وغيره من القواعد الدولية.

تحديد القواعد القانونية الدولية الوضعية

تُعرف القوانين بأنها (القواعد المجردة التي تحكم سلوك الأمة أو داخل مجتمع ما وفقًا لضوابط معينة ارتضاها الناس، والتي تقترن بجزاء توقعه السلطة المختصة في حالة الخروج على هذه القواعد) (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت