محمد مسعد ياقوت- باحث تربوي
بلطيم كفر الشيخ
في شهر شعبان ـ من كل عام ـ نتذكر ذلك الحدث المجيد الذي محص الله فيه الجيل الأول من أتباع الإسلام ، في العام الثاني من الهجرة .. وفي هذا الحدث من الدروس والعبر الكثير والكثير .. والأمة الإسلامية في هذا العصر ؛ في أشد الحاجة إلى تتنسم رحيق هذا الحدث الكبير ، ولتأخذ منه فاصلًا من الدروس والعبر والحلول؛ ما يعالج مشكلاتها وما يدواي جراحها..
الدرس الأول: في التربص اليهودي بالإسلام:
لقد شكك اليهود في صدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والدولة الإسلامية في طور الإنشاء والتأسيس ـ فقالوا:".. (مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا) [البقرة - 142] ، لقد اشتاق الرجل إلى مولده ! ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا وتارة يستقبلون كذا ، ما صرفهم عن قبلتهم التى كانوا عليها .. إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركها ،وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل .."وهنا ندرك أصالة العدوان اليهود للإسلام والمسلمين .. فقد شنوا حربًا إعلامية ضارية في أعقاب حدث تحويل القبلة . ولقد فُتن ضعاف الإيمان كما فُتن إخوانهم في حادث الإسراء والمعراج .. وإن المتأمل لآيات تحويل القبلة؛ وهي ترد شبهات اليهود؛ يتبين له مدى ضراوة الحرب الإعلامية والفكرية التي شنها اليهود ..
قال تعالى: (سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ) [سورة: البقرة - الأية: 142] .. حتى إنهم شككوا في صلاة المسلمين القديمة نحو بيت المقدس ، ومن ثم أعلنوا أن المسلمين الذين ماتوا قبل تحويل القبلة دخلوا النار؛ لأنهم صلوا إلى القبلة الفاسدة ! فيرد الله قائلًا: ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ) [: البقرة -143] .
وهكذا خاب وخسر من جرى يلهث في عصرنا خلف اليهود . وخاب وخسر من تمسح باليهود في تطبيع ، أو ظن أن الحدائة تتصدق بكتاكيت !
الدرس الثاني: في وسطية الأمة:
لقد أصل ورسخ هذا الحدث مبدأ وسطية هذه الأمة ، فقد جمعت بين قبلتين عظيمتين ، قبلة إبراهيم وأتباعه ، وقبله موسى وإخوانه .. فأمة الإسلام وسط في الشكل وفي المضمون، لا سيما في الشعائر ، ومن ثم قال الله معللًا ذلك الحدث: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا) [سورة: البقرة - الأية: 143] .
نعم ، أمة وسطًا: مجانبة للغلو والتقصير ، لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم ، وقد رُي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"خير الأمور أوسطها"، وقال علي ـ رضي الله عنه ـ:"عليكم بالنمط الأوسط فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل".. ووسطية الأمة الإسلامية وسطية شاملة .. فهي و سط في الاعتقاد والتصور، وسط في العلاقات والارتباطات ، وسط في أنظمتها ونظمها وتشريعاتها ..
وحري بالمسلمين أن يعودا إلى وسطيتهم التي شرفهم الله بها من أول يوم ..
حري بمن استوردوا التشريعات والقوانين الوضعية العفنة أن يعودوا إلى وسطية الإسلام . وحري بمن كفّروا المسلمين وفسّقوا المصلحين أن ينهلوا من وسطية الإسلام .
الدرس الثالث: في أستاذية الأمة الإسلامية:
قال تعالى: (لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ) [البقرة - 143]
قال سيد قطب ـ رحمه الله:"إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا , فتقيم بينهم العدل والقسط ; وتضع لهم الموازين والقيم ; وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد ; وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها , وتقول:هذا حق منها وهذا باطل"
إن أمة الإسلام ما بعثها الله إلا لتقود ولتسوس البشرية إلى الحق .. ولذا استخلفها الله ومنحها الخيرية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ) . وكانت هذه المنحة الربانية مقابل تأدية الأمة لوظيفتها ومزاولتها لمهنتها .. ووظيفتها ومهنتها هي سياسة الحضارات وقيادة الأمم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله: ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) [: آل عمران - 110] .
وواضح جلي من بنود هذا العقد ومن شروط تلك المنحة ؛ أن الأمة إذا تخلت عن وظيفتها سلبها الله منحة الخيرية .. وأصيبت بالضعف والخور وتوالت عليها الهزائم ، وأكلها الشرق والغرب .. فأحرى بنا أن نسترد أستاذيتنا المسلوبة ومكانتنا الغائبة . وأحرى بالعامل في المصنع يشارك في استرداد أستاذية الإمة، وأحرى بالتاجر والموظف والكاتب والواعظ أن يتحدوا في إعادة مجد الإسلام .
الدرس الرابع: في حتمية الابتلاء: