فهرس الكتاب

الصفحة 16292 من 27345

رسالة في القلب.... الشيخ ابن تيمية ...

قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني رحمه الله:

إن الله سبحانه وتعالى خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء، كما خلق العين يرى بها الأشياء، والأذن يسمع بها الأشياء، وكما خلق سبحانه كل عضو من أعضائه لأمر من الأمور، وعمل من الأعمال، فاليد للبطش، والرجل للسعي، واللسان للنطق، والفم للذوق، والأنف للشم، والجلد للمس، وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة، فإذا استعمل العضو فيما خلق له وأعد من أجله، فذلك هو الحق القائم، والعدل الذي قامت به السموات والأرض، وكان ذلك خيرا وصلاحا لذلك العضو ولربه وللشيء الذي استعمل فيه، وذلك الإنسان هو الصالح الذي استقام حاله وأولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون

وإذا لم يستعمل العضو في حقه، بل ترك بطالا، فذلك خسران، وصاحبه مغبون، وإن استعمل في خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبه من الذين بدلوا نعمة الله كفرا.

ثم إن سيد الأعضاء ورأسها هو القلب كما سمي قلبا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب

وقال صلى الله عليه وسلم: الإسلام علانية، والإيمان في القلب ثم أشار بيده إلى صدره، وقال: ألا إن التقوى هاهنا، ألا إن التقوى هاهنا

وإذ قد خلق ليعلم به فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها هو الفكر والنظر، كما أن إقبال الأذن على الكلام ابتغاء سمعه هو الإصغاء والاستماع، وانصراف الطرف إلى الأشياء طلبا لرؤيتها هو النظر، فالفكر للقلب كالإصغاء للأذن إذا سمعت ما أصغت إليه، ومثله نظر العينين في شيء، وإذا علم ما نظر فيه فذاك مطلوبه، كما أن الأذن إذا سمعت ما أصغت إليه، أو العين إذا أبصرت ما نظرت إليه.

وكم من ناظر مفكر لم يحب العلم ولم ينله، كما أنه كم من ناظر إلى الهلال لا يبصره، ومستمع إلى صوت لا يسمعه، وعكسه من يؤتى علما بشيء لم ينظر فيه، ولم تسبق منه سابقة فكر كمن فاجأته رؤية الهلال من غير قصد إليه، أو سمع قولا من غير أن يصغي إليه.

وذلك كله لأن القلب بنفسه يقبل العلم ; وإنما الأمر موقوف على شرائط واستعداد قد يكون فعلا من الإنسان فيكون مطلوبا.

وقد يأتي فضلا من الله فيكون موهوبا فصلاح القلب وحقه، والذي خلق من أجله، هو أن يعقل الأشياء، لا أقول أن يعلمها، فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلا له، بل غافلا عنه، ملغيا له، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه غنيا، فيطابق عمله قوله، وباطنه ظاهره. وذلك هو الذي أوتي الحكمة: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا

وقال أبو الدرداء: إن من الناس من يؤتى علما، ولا يؤتى حكما، وإن شداد بن أوس ممن أوتي علما وحكما.

هذا مع أن الناس متباينون في نفس أن يعقلوا الأشياء من بين كامل وناقص، وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير، وجليل ودقيق، وغير ذلك.

ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما ينال به العلم.

يدرك، أعني العلم الذي يمتاز به البشر عن سائر الحيوانات، دون ما يشاركه فيه، من الشم والذوق واللمس، وهنا يدرك به ما يحب ويكره، وما يميز به من يحسن إليها ويسيء، إلى غير ذلك.

قال الله تعالى: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } وقال: { ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } وقال: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } . وقال: { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة } وقال: { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } . وقال فيما لكل عضو من هذه الأعضاء من العمل والقوة: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها

ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقهما في شيء، وهو أنها إنما ترى بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص، فأما القلب والأذن فيعلم بهما ما غاب عن الإنسان، وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية والمعالم المعنوية.

ثم بعد ذلك يفترقان، فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذا كان العلم بها هو غذاؤه وخاصيته: أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تنال القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم، فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت