فهرس الكتاب

الصفحة 6695 من 27345

إبراهيم الأزرق*

الحمد لله الذي أفاض الأجر لأهل البذل وأجزل، وصلى الله وسلم على خير من صلى وصام وتصدق وأنفق ، ثم أما بعد..

فإن من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات والتي تنادت بها العرب في الجاهلية من قبل الإسلام، السخاء والبذل والجود والإنفاق، بل جعلوا هذه العادات مما يفخر بها أصحابها.

ومن ذلك ما جاء في كلمة حسان -رضي الله عنه-:

يقول فيها:

إلى آخر ما قال.

وقال أيضًا رضي الله عنه يمدح الحارث بن ثعلبة بن جفنة (كعب أبو عامر بن حارثة بن امرئ القيس، وأمه مارية) والد المنذر المعروف بجبلة بن الأيهم، وكان ذلك في زمن الجاهلية:

ومن شعر حاتم الطائي:

وفي كلمة لبيد التي علقت بأستار الكعبة قوله:

وقيل إن هاشمًا بن عبد المطلب إنما سمي هاشمًا لهشمه الثريد للحجيج، وأخبار العرب قديمًا في البذل والإنفاق وأشعارهم كثيرة معروفة.

هكذا كان العرب قبل الإسلام ثم جاء الإسلام فأقر العرب على ما كانوا عليه من أخلاق حميدة وعادات رشيدة فكان من جملة ما أقرهم عليه الجود والكرم والبذل والإنفاق، إلاّ أنه شذب هذه الخلال وهذبها فزاد حسنها أضعافًا.

ومن ذلك ثناؤه جل شأنه على أقوام بقوله: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرا . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا. إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا. فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا) وقال سبحانه: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) ، (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون) ، (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير) (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، (والصدقة برهان) قال نبينا صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر: (كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضى بين الناس) [رواه الإمام أحمد 4/147، وأبو يعلى 1766، وابن خزيمة 2431، وابن حبان وغيرهم] . قال يزيد:"فكان أبو الخير- وهو مرثد بن عبد الله اليزني الراوي عن عقبة- لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء ولو كعكة ولو بصلة"، قال صلى الله عليه وسلم في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) [حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري في الأذان ومسلم في الزكاة] ، وقال صلى الله عليه وسلم عن الصدقة: (إنها تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء) [حديث أنس بن مالك رضي الله عنه رواه الترمذي في الزكاة باب ما جاء في فضل الصدقة 664، وابن حبان والبغوي، وحسنه الترمذي وفيه مقال] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفىء الماء النار) [حديث معاذ رضي الله عنه رواه الإمام أحمد 5/531، والترمذي في الإيمان7/280، وابن ماجة وغيرهم، وحسنه الترمذي] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (لقد عجب الله من صنيعكما الليلة إلى ضيفكما) للرجل الذي ضاف ضيفه فلمّا حضر عنده أمر زوجه فشغلت الأولاد إلى أن ناموا، ثم قدم الطعام وأطفأ السراج ودعا الضيف وأوهمه أنه يأكل معه [ حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاري 1781، ومسلم 2054، وفي القصة نزل قول الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ] .

وهكذا ضرب الصحابة والتابعون لهم بإحسان أروع الأمثلة في الجود والبذل في المعروف والإنفاق، بل سبقوا من تقدمهم من العرب ممن كان يضرب بهم المثل، فهم ورثوا تلكم الأخلاق الحميدة ومن ثمّ نمّاها الإسلام وقوّمها.

أتى أعرابي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:

فقال عمر رضي الله عنه: وإن لم أفعل يكون ماذا؟ فقال الأعرابي:

فقال عمر رضى الله عنه وإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال الأعرابي:

فبكى عمر رضى الله عنه حتى خضل لحيته، وقال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره، وأنا والله ما أملك غيره.

وليس عمر رضي الله عنه فحسب، بل جلهم كانوا كذلك يجودون بما يجدون، كان سعيد بن العاص رضي الله عنه كثيرًا ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم الحلل ويرسل إلى بيوتهم بالهدايا والتحف والبر الكثير، وكان يصر الصرر فيضعها بين يدي المصلي من ذوي الحاجات في المسجد. استسقى يومًا في المدينة فأخرج له رجل من دار ماء فشرب، ثم بعد حين رأى ذلك يعرض داره للبيع، فسأل: لم يبع داره؟ فقالوا: عليه دين أربعة آلاف دينار، فبعث إلى غريمه وقال: هي لك علي، وأرسل إلى صاحب الدار فقال: استمتع بدارك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت