فهرس الكتاب

الصفحة 13484 من 27345

تفسير سورة النجم

الجمعة 15 صفر 1397 / 2 شباط 1977

( 3 ـ 5 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:

وفيما قلناه في الأسبوع الماضي أن القرآن المكي بصورة عامة يدور حول أمور أساسية كلها على امتداد ثلاثة عشر عامًا التي قضاها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة ، كان يدور حول قضية الألوهية ، وثانيًا حول مشكلة الرسالة ، وثالثًا حول قضية اليوم الآخر . وإبراز هذه القضايا في الحاضر ضروري ، هو ضروري من وجهة نظر الدراسة ، فالسورة كما عرفتم في أول حديث عنه أثارت في وجهنا مشكلة ليست هينة ، لأن فاتحة السورة تنتمي إلى الوقت الذي حصل فيه الإسراء والمعراج وهو في أواخر السنة العاشرة ونحن نتحدث عن وقائع تدور في فترة زمنية لا تتجاوز السنة السابعة من المبعث ، ومن هنا فنحن نريد أن ننفذ إلى إكمال لبقية الحديث للحل الذي قدمناه عن هذه المشكلة ، ثم نكمل ما تبقى من السورة .

قلنا إنه لا شك أن فاتحة سورة النجم تشير إلى واقعة حصلت في الإسراء والمعراج متأخرة جدًا من المرحلة المكية ، وقلنا إن هذه المشكلة تُحل على ضوء تاريخ القرآن ، فالقرآن حين دوّن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبأمر منه وبتوقيف منه أيضًا كانت آياته تنزل متفرقة ، كانت الآية تنزل اليوم ، وقد تنزل الآية بعد سنة أو أكثر ، وضربنا مثلًا سورة البقرة وهي مجموعة في القرآن في سورة واحدة وقلنا إن فيها آيات تُعد من أبكر الآيات في المرحلة المدنية ، كما أن فيها آية يقال إنها آخر ما نزل من القرآن ، فعمر هذه السورة في الإنزال لا يقل عن تسع سنوات ، ومع ذلك فهي سورة واحدة . والدارس للقرآن مضطر لأن يأخذ السورة على أنها بناء واحد ومتكامل ، لأن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرتبها على الوجه الذي رتبت عليه ، فوجود الآية في سورة معينة أو وجود عدة آيات في سورة معينة تشير إلى واقعة من الوقائع المحددة تاريخيًا لا يعني أن السورة برمتها تنتمي إلى الزمن الذي حصلت فيه الواقعة . تسميات السور قد لا تدل مطلقًا على مضامينها وقد لا تشير إلى شيء مما تضمنته ، عندنا سورة قاف سميت بالحرف الهجائي الذي بدئت به ، فماذا تفهم من هذا الحرف مما يدل على مضامين السورة ؟ لا شيء . عندنا سورة صاد وهي سورة سميت باسم الحرف الهجائي الذي بدئت به السورة بصرف النظر عن مضامين السورة ، قلنا إننا على هذا النحو نستطيع أن نقول إن فاتحة سورة النجم لا يعني أن السورة برمتها نزلت متأخرة ، وبالتالي لا يسحب التشكيك على التوقيت الذي وضعه بصورة متقاربة علماء القرآن حينما رتبوا القرآن وفاقًا للنزول .

حينما ذهبنا نستعرض قضايا القرآن وقلنا لكم إن قضايا القرآن المكي عمومًا تدور حول هذه الأقطاب الثلاثة: الألوهية والرسالة واليوم الآخر ، آن لنا أن ننظر إلى فاتحة السورة من زاوية أخرى . لنرى أهي متنافرة مع الجو العام الذي أشارت إليه السورة ؟ أم هي منسجمة معها كليًا ؟ هذا هو الحديث الذي نريد أن نبدأ به لنلفت النظر إلى أن الذين لم يرزقوا في القرآن ذوقًا خاصًا ولم تُكشف عن عيونهم الحجب لكي يذوقوا طعم هذا القرآن ، يتصورون الأمور في القرآن تتكرر متشابهة مكروهة وهذا خطأ ، فالقضية من القضايا التي تعرض في السورة كما تعرض في تلك كما تعرض في هاتيك ، وهي هنا لها دلالة وهي هناك لها دلالة أخرى وهنالك لها دلالة مغايرة ، قلنا إن فاتحة السورة تشير إلى واقعة الإسراء والمعراج فلماذا سحبت هذه الواقعة من السنة العاشرة أو بالأحرى من أواخر السنة العاشرة لتحشر في سورة أثارت قضايا ضمن السنوات الخمس الأولى من البعثة ؟ حينما نعود إلى استحضار ما نصصنا عليه من الأمور التي يدور حولها القرآن المكي ونتعرف على قضية الرسالة وما يتفرع عليها من مشكلات أثارها الحجاج المكي والجدال المكي لا نستغرب وجود الفاتحة ( أي فاتحة السورة ) في هذه السورة المبكرة زمنيًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت