الإسلام شريعة الأمل العالمي
بقلم: الأستاذ إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي
ثالثًا: الأخلاق الإسلامية:
جاء الإسلام بمجموعة من الأخلاقيات التي تُنَظم حياة المسلم وتعطي القدوة الطيبة والقيم الأصيلة التي تصنع مجتمعًا مستقرًا بالأخلاق الإسلامية جاء الإسلام بها من أجل سمو ارتقاء الحياة الانسانية ، وهي مما تتميز بها الحياة عن الدنايا والشرور ويستقيم عليها أدب النفس وأدب السلوك والقرآن حافل بما تتحلى به النفس من قيم الأخلاق وبما يجب أن يكون عليه سلوك البشر وبالنهي عما يجترح هذه القيم أو ينال منها أو يتطاول عليها أو يخدشها أو يكون سببًا من أسبابها أو يؤدي اليها، كما نهى عما يسيء إلى البدن حفاظًا على الصحة وعما يسيء إلى العقل حفاظًا على سلامة الإدراك. والحضارة الإسلامية لاتقوم على أسس سليمة إلا بهذه الاخلاق، فالرحمة والبر والتعاطف والحياء والتواضع والفضائل على أنواعها أقام لها الإسلام المعايير وقاس عليها سلوك الإنسان أمام الله وأمام الناس (25) . كما أن الأخلاق الإسلامية مما يتواءم مع الحياة الدنيا ومما يقوم عليها مجتمع إنساني سليم فليس فيها إغراق أو تطرف يحملها إلى عالم التجريد وليس فيها ما يحمل الإنسان فوق طاقته، وإنما هي من واقع حياة المسلم مايستقيم معها حياته على الخير ويستقيم بها عقله على الإيمان، إذ جمع الإسلام بين المثالية الرفيعة والواقعية التي تتفق مع العقل ، فلا يغفل الطبيعة البشرية ولايسرح في تهويمات ضالة ملتوية بعيدًا عن الحقيقة والواقع، بل ينشد السمو بالإنسان إلى ذروة الكمال المطلق، ولكن إذا حقق ماينشد إذ حاول تحقيقه، يعلم تمامًا أن الإنسان قد ميل على النقص، فقال بمعاقبة المُسيء مثل ما عاقب به ثم رغب أشد الترغيب في العفو عن المسييء والإحسان إليه، ودرء السيئة بالحسنة في قوله تعالى ?وَإِنْ تَعْفُوْا وَتَصْفَحُوْا وَتَغْفِرُوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ? (26) .
وإذا أردنا أن نلتمس عبارة جامعة للأخلاق الإسلامية التمسناها في قوله تعالى ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ? (27) ، ولذلك تُلهمنا الأَخلاق الإسلامية عما يمكن أن نسميه ثقافة أخلاقية بصفتها أساسًا لأدب النفس والسلوك وأساسًا لحضارة إنسانية تقوم على التزاوج بين الروح والعقل، فحيث يسمو الخلق الإسلامي بمبادئه إلى أعلى ماينشده الإنسان من المثالية الروحية، نراه يوفق بين ماهو أبدى وماهو متغير.
فالأخلاق الإسلامية تقوم على المحبة ومبناها الأخوة العدل ومبناه المساواة والرحمة ومبناها الإحسان والتعاطف والصبر والأمر بالمعروف ومبناها حب الخير للآخرين والنهي عن المنكر ومنفاها كل مايسيء إلى النفس وإلى الآخرين (28) ، قال تعالى ?إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِيْ القُرْباى، ويَنْهى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ? (29) .
وتَنْبُع الأخلاق الإسلامية من معنى الإسلام الذي يتمثل جوهرة في الصدق مع الله وصدق مع النفس وصدق مع جميع البشر وأنه دين سهل لا التواء في دعوته ولاتعقيد فهو دين الفطرة طبيعته اليسر والتسامح، جَمَعَ المؤمنين به على التعاون والتراحم والتكافل، كما دعا إلى التحرر والمساواة ونُصْرَة المظلوم ونادى بالمحافظة على النفس وحمايتها، كما نادى بالمحافظة على الأسرة وترابطها وحث على كل نواحي الخير للإنسان.
ومن الأخلاق الإسلامية التسامح، فلقد كان للتسامح الفضل الأول في انتشار الاسلام وسيكون لهذا التسامح الآن الفضل نفسه في عودته ليقوم برسالته التي هيأها الله تعالى حيث اختاره دينًا للبشرية (30) .
ومن هذه الأخلاق الرحمة التي تعم ولا تخص، ومن قول الرسول عليه الصلاة والسلام"من لايرحم لايُرْحَم"ومن الرحمة بالمجتمع أن تقف غرائز الشر فلا تتجاوز عقالها إلى الإضرار بالنفس أو بالمجتمع، وليس أردع للشر من القصاص فإنه أصون للمجتمع وحقوقه ولحرية الفرد وواجباته.
كما كان الإسلام مراعيًا للفطرة البشرية ولحاجات المجتمع ولأخلاقه عندما خصص المرأة لوظيفتها الأولى التي خُلِقَتْ من أجلها وحمل الرجل أعباءها لتتفرغ دون قلق على عيشها بكل جهودها وطاقاتها لرعاية الإنتاج البشري وتنشئته على الأخلاق الفاضلة لأن البشر كنز ثمين، وأحاطها في هذه الوظيفة بأرفع سمات التكريم والتقدير فجعل الجنة تحت أقدامها وجعلها أولى الناس بحسن صحابة الأبناء وحقق لها المساواة الإنسانية في الكرامة البشرية واستقلالها الاقتصادي وحرية التعامل المباشر مع المجتمع وحق التعليم بل وجعله فريضة عليها ... كل ذلك مادامت تتمتع بالأخلاق التي أقرها الله للمرأة (31) .