فهرس الكتاب

الصفحة 4063 من 27345

ثم بلغت الأخلاق الإسلامية أقصاها مع الأعداء والمعاملة التي فرضها الإسلام على المسلم في تعامله مع غير المسلمين، حيث حث الإسلام على معاملة غير المسلمين معاملة عادية فقال: تعالى ?لاَيَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِيْنَ لَمْ يُقَاتِلُوْكُمْ فِي الدِّيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوْكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبرُّوْهُمْ وَتُقْسِطُوْا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِيْنَ? (سورة الممتحنة - آية 8) كما أباح الإسلام للمسلمين أن يأكلوا طعام غير المسلمين وأن يصاهروهم قال تعالى ?وَطَعَامُ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ? المائدة آية 5 .

كما نهى الإسلام عن قتل الأطفال والشيوخ وانتهاك حرمة صوامع الرهبان ومحاربة النساء ومحاربة القرى دون إنذار وحرق المزروعات وقطع الأشجار والنخيل ... الخ من هذه الأخلاق الفاضلة والتي يعطينا التاريخ الإسلامي آلاف النماذج منها في حروب الإسلام وهي حروب أخلاقية في المقام الأول (32) .

رابعًا: العلم والعقل والتفكير في الإسلام:

إذا كان القرآن الكريم كان نصحًا وتشريعًا وقصصًا وتوجيهًا في صيغ من الأمر والنهي، فلقد جاء القرآن مصحوبًا بالدعوة إلى التعقل والتنويه بالفكر والإشادة بالتدبر والتقدير للعلم والعلماء. وتقريع الجهال ولسخرية ممن لايفكرون. والعلم الذي يشيد به القرآن ليس مقصورًا على نوع من العلم معين، وليس التفكير الذي يهب به القرآن محصورًا في نظام محدد من المعرفة، لأن العلم الذي ينوه به القرآن الكريم عام يشمل أنواع العلوم كلها، والتفكير الذي يدعو إليه القرآن الكريم فسيح يتسع لألوان التفكير كله لأن ثمن القرآن الكريم كله تقريبًا آيات متصلة بالعلوم عامة والبقية عقائد وعادات وتشريع وتاريخ وأخلاق .

ولاغرابة في اهتمام القرآن الكريم بالعلم والفكر والعناية به هذه العناية، لأن العقل هبة من الله ينميها التفكير يغذيها القلم ويرقيها استخدامها فيما خُلِقَتْ له لتهدي إلى الحق والخير ولتدفع إلى الإقرار بوحدانية الله وقدرته وحكمته ولتمكن للناس أن ينتفعوا بما خلق الله في الأرض والسماء ولتكفل لهم حياة أرقى وأسعد وأرغد (33) .

فأول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم"إقرأ"وإذا تأملنا هذه الآيات يمكن أن نقول إذا كانت هذه الآية أول مانزل من القرآن وأول قطرة مباركة من غيث الرحمة الإلهية وكان موضوعها العلم وأدوات العلم من قلم ونحوه وأدبيات العلم فهو باسم ربك أي أنها تعني علمًا نافعًا مباركًا يستمد قدسيته من الله وليس باسم رئيس أو عظيم أو منفعة أو وطن أو جنس أو طبقة وهو علم لايتعالى ولايغشاه جنون العظمة. كما رشحت هذه الآيات القلم كأداة للعلم والمعرفة فأشارت بذلك إلى رسالة هذا العلم (34) .

والإسلام لا ينكر العلم ، وفي الحديث"اطلبوا العلم ولو في الصين"مايعني المعاناة في طلب العلم، ولايعني العلم الديني فليس في الصين مايطلبه المسلمون للتفقه في الدين وانما يعني معنى العلم الطبيعي، والإسلام يعلوا بالعلوم لأنه يخص عليه ويدفع إلى النظر والتأمل والكشف على أسرار الكون، والعلاقات الاجتماعية بصورة لم يصل إليها العالم بعد .

ويقول سيد قطب في ظلال القرآن ص 66 أن القرآن هو الصورة الأخيرة لكتاب الله الواحد المتحد الأصل والوجهة، المساير لحاجات البشر حتى إذا كشف لنا ساعة الحقائق الكبرى التي تقوم عليها أسس الحياة، انقطع الوحي ليتصرف في العقل البشري في حدود تلك الحقائق الكبرى، بلا خوف من الزمن مادام يرعى تلك الحدود (35) .

وتنبع فلسفة التجريب والعلم في القرآن، وكما يقول إقبال، أن القرآن يرى أن الموقف التجريبي هو طور ضروري من حياة الإنسان الروحية ولذلك فإنه يعلق نفس الأهمية على جميع ميادين التجربة الإنسانية كطرق لمعرفة الحق الذي يكشف عن وجوده بآيات خفية وظاهرة، حتى أن الله خلق الكون للإنسان وفرض عليه أن يعيد عمارته من جديد ?أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّافِي السَماواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً? (36) وهذا الموقف يدعو إلى التجريب والعلم بكل أسرار الكون (37) .

ويرى الشيخ شعرَاوي (38) أن الإسلام جاء ليُنَظِّم حركة الحياة ويدعو للتفكير في كل شيء وفي الأخذ بأسباب العلم في كل شيء وبالفعل يمجد الإسلام العقل ويكبر العلماء ويدعو (39) للتأمل في ملكوت السماوات والأرض ثم هو صاحب اليد الطولى على الإنسانية جمعاء وحامل لواء المدنية الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت