فهرس الكتاب

الصفحة 17694 من 27345

طلب الولاية عند الكافر 16/4/1426

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإن الذي يقرأ القرآن ينبغي أن يتدبر معانيه، ويقف مع آياته فيأخذ منها العظات والعبر والدروس التي تفيده في واقعه وتنفع أمته، ولهذا فإني أقف اليوم في سلسلة الوقفات مع سورة يوسف مع قوله:"اجعلني على خزائن الأرض"، هنا يرد سؤال قد يمس الواقع وهو: هل يجوز تولي الوزارة عند كافر؟

لأن يوسف _عليه السلام_ طلب الوزارة وتولاَّها والملك كافر كما ذكر المفسرون، وهذا سؤال كبير، وهو اليوم يتكرَّر في بعض الدول التي تكون كافرة أو في البرلمانات، ما حكم ذلك؟

أولًا: قال بعض العلماء: لم يكن الملك كافرًا، وقالوا: لقد كان فرعون يوسف صالحًا وإنما طغى فرعون موسى.

وبعضهم قال: بل كان كافرًا. ولعل هذا أولى لقول موسى أو مؤمن آل فرعون في سورة غافر:"ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولًا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب". وكذلك دعوته لسجينين تدل على أن البيئة كانت كافرة.

وإذا كان الأمر كذلك فهل نقول هذا شرع من قبلنا وليس شرعًا لنا؟

أقول: في ذلك نظر، للخلاف في هذا القاعدة بين أهل العلم، ولأن الله _جل وعلا_ قد قال هنا:"لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ" (يوسف:7) ، وقال في آخر السورة:"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ" (يوسف: من الآية111) .

ولهذا أجاز بعضهم التولي عند الكافر للمصلحة مطلقًا، وقال جمع من العلماء إنه يجوز أن يتولَّى المسلم عند كافر إذا أمكنه فعل الحق بشرط عدم مشاركته في ظلمه.

والخلاصة لدينا ثلاثة أقوال:

الأول: لا يجوز التولية عند كافر؛ لأنه إعانة له ومساعدة له .

وآخرون قالوا: يجوز ما كانت في ذلك مصلحة، ولم يذكروا شروطًا.

والقول الأعدل هو قول من قال يجوز بشرط تمكنه من قول الحق وعمل الحق، ولن تكون مثل هذه المشاركة إعانة على الظلم.

والذي يترجح والعلم عند الله _جل وعلا_ بعد تأمل ودراسة هذه المسألة، وبخاصة في ظروف المسلمين الحالية كوجود عدد من المسلمين في بقاع الأرض في دول كافرة، فالهند مثلًا عدد المسلمين فيها قرابة مئتي مليون ومع ذلك الدولة كافرة، وفي أمريكا المسلمون بالملايين، وهؤلاء يحتاجون إلى من يرعى شؤونهم ويحقق لهم كثيرًا من المصالح التي يصعب تحقيقها إلا بالمشاركة فيها. فالقول بأنه لا يجوز التولية في هذه البلاد بإطلاق فيه مشقة وتضييق على المسلمين ولعل القول الثالث هو الوسط وهو جواز مشاركة الظالم أو الكافر في الولاية بشروط أهمها:

أولًا: أن يكون اشتراكه في هذه الولاية لا يترتب عليه أو يلزم منه اعتراف وإقرار لظلم أو كفر، ولهذا يقال لمن يريد أن يشترك في ذلك إذا كان اشتراكك في هذه الولاية يقتضي إقرارًا منك بالكفر أو اعترافًا بالكفر أو مساعدةً على الظلم أو إقرارًا له فلا تجوز، وأنت في عافية وسلامة من أن تكون شريكًا أومقرًا للظلم أو الكفر ومعترفًا به .

ثانيًا: أن لا تكون فيه مساعدة ظاهرة على الظلم فضلًا في أن يقع في الكفر، وهذه غير الأولى أي أن ولايته عندما يتولاها لا يمارس فيها الظلم تبعًا لهذا الحاكم الكافر.

ثالثًا: أن تكون مصلحة المشاركة راجحة على المفسدة، لأن الذي سيشارك في ولاية ظالمة أو ولاية كافرة، سيرتكب مفسدة، صغيرة أو كبيرة، لكن هناك مفاسد وهناك مصالح، فإذا كانت المفسدة التي سيرتكبها تتضاءل عند المفسدة الكبرى من عدم المشاركة فنقول له شارك، بمعنى آخر نقول المفسدة الكبرى تدفع بالمفسدة الصغرى، فإذا كنت تعلم أنك سترتكب مفسدة بسبب ولايتك، لكن اعتذارك عن المشاركة سيوقع مفسدة أعظم، فنقول شارك إذا تقرر ذلك واتضح بشرط ألا يرتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، وأقول هذا لأنني رأيت بعض من يشترك في بعض هذه البرلمانات يضع يده على الدستور ويقسم بالله أنه سيحافظ على هذا الدستور ويدافع عنه مع أن هذا الدستور كفر!

ولعل من الأدلة على ما رجحته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمجاهدة مع البر والفاجر، ولاشك أن المجاهدة مع الفاجر فيها مفسدة لكن تتضاءل هذه المفسدة عند المفسدة الكبرى بترك الجهاد، فنقول من أجل إقامة الجهاد في سبيل الله فشارك معه؛ لأن مصلحة المشاركة في الجهاد أعظم بكثير من المفسدة التي يقع فيها الإنسان خاصة إذا اتقى الله _جل وعلا_، وبهذا الرأي نصل إلى جواز المشاركة بهذه الضوابط الشرعية، أما المنع المطلق فلا، أو السماح المطلق فلا، ومع ذلك فالمسألة تحتاج إلى مزيد من البيان ومزيد من التحرير وهي من مسائل الاجتهاد، ولكنها إشارة تناسب المقام.

أسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يبرم لهم إبرام رشد يعز فيه وليه ويذل فيه عدوه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت