الحَمدُ والدُّعاء د. محمد عمر دولة*
الحمد لله والصلاة والسلام على رسولِ الله، وعلى آلِه وصحبِه ومن والاه، وبعد فإنَّ عُنوانَ سَعادةِ العَبدِ وعَلامةَ فَلاحِه ونَجاحِه في أنْ يكون شاكِرًا للنَّعْماءِ صابِرًا على البَلاءِ؛ فـ"إذا أُنْعِمَ عليه شَكَرَ، وإذا ابتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أذْنَبَ استَغفَر"! [1]
وقد وَرَدَ في القرآنِ والسُّنةِ تعلِيمُ الدُّعاء وتَعلِيمُ الحمدِ على السَّواء؛ حتى قال الصحابة رضي الله عنهم: (كان يُعَلِّمنا الاستخارةَ كما يُعَلِّمُنا السورةَ من القرآن". قال القاضي عياض رحمه الله:"أذِنَ الله في دُعائه، وعلَّم الدعاءَ في كتابِهِ لِخَلِيقَتِهِ، وعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم الدُّعاءَ لأمَّتِه"؛ [2] فما أسْعَدَ مَن اقتدى بالقرآنِ والسنة؛ ولله دَرُّ ابنِ القيِّم حيث قال:"سُبحانَ الله! ما حُرِمَ المُعرِضُون عن نُصُوصِ الوَحيِ، واقتباسِ العِلمِ من مِشْكاتِه مِن كُنُوزِ الذَّخائر؟! وماذا فاتَهم مِن حياةِ القلوبِ واستِنارةِ البصائر". [3] "
وقد بَيَّنَ العلماءُ علاقةَ الحمدِ بالدعاءِ، ونَصُّوا على فَضلِ الدُّعاءِ بأسماءِ الله الحسنَى؛ إذْ إنَّ الدُّعاءَ الذي يُرْجَى قبولُه يُبدَأُ بِحَمدِ الله عزَّ وجَلَّ والثناءِ عليه بما هو أهلُه والشهادةِ له بالأسماءِ الحسنَى والصِّفاتِ العُلى، كما روى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (بِتُّ عند ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ... ثم توضأ... وكان يقول في دُعائه:(اللهم لك الحمدُ أنتَ نُورُ السمواتِ والأرضِ ومَن فيهن, ولك الحمدُ أنتَ قَيُّومُ السمواتِ والأرضِ ومَن فيهن, ولك الحمدُ أنتَ الحق ووَعْدُك حَقٌّ وقولُك حَقٌّ ولقاؤك حَقٌّ, والجنةُ حَقٌّ والنارُ حَقٌّ والساعة حَقٌّ والنَّبِيُّون حَقٌّ ومحمد حَقٌّ. اللهم لك أسلَمتُ وعليك توكَّلتُ وبك آمَنتُ وإليك أنَبْتُ وبك خاصَمْتُ وإليك حاكَمتُ؛ فاغفِرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ, وما أسْرَرتُ وما أعْلَنْتُ, أنتَ المقدِّمُ والمؤخِّرُ لا إله إلا أنتَ، أو لا إله غيرك) ! [4]
ولا يخفى أنَّ دُعاءَ اللهِ تبارك وتعالى، والتوجُّهَ إليه في خُشُوعٍ وخُضُِوعٍ؛ شَهادةٌ له جلَّ جلالُه بأنه الله الذي لا إلهَ إلا هو الأحَدُ الصَّمَدُ؛ وأنَّ بيده الخير، وعنده النفع والضُّر. ورحم الله العلامة ابنَ القيّم، حيث قال:"لَمَّا كان سُؤالُ اللهِ الهدايةَ إلى الصراطِ المستَقِيمِ أجَلَّ المطالِبِ, ونيلُه أشرفَ المواهِبِ؛ علَّمَ الله عِبادَه كَيفِيةَ سُؤالِه, وأمَرَهم أنْ يُقدِّموا بين يدَيْه حَمْدَه والثناءَ عليه وتَمْجِيدَه, ثم ذَكَرَ عُبُودِيَّهم وتوحِيدَهم؛ فهاتان وَسِيلتان إلى مَطْلُوبِهم: تَوَسُّلٌ إليه بأسمائه وصِفاتِه, وتَوَسُّلٌ إليه بِعُبُودِيَّتِه. وهاتان الوَسِيلَتان لا يكاد يُرَدُّ معهما دُعاء, ويؤيِّدهما الوَسِيلَتان المذكورَتان في الاسمِ الأعظم... وهذه ترجَمةُ عَقِيدةِ أهلِ السنة، والتوسل بالإيمان بذلك والشهادة: هو الاسم الأعظم"! [5]
وقد ترجم البخاري في كتاب (التوحيد) (باب سؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها) ، وحديث حذيفة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم باسمك أحيا وأموت, وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) . [6] وجاء في حديثِ الملائكةِ السيَّاحِين في الأرض، (يقولون: تركناهم يحمدونك ويمجّدونك ويذكرونك، قال: فيقول: فهل رأوني؟ فيقولون: لا. قال: فيقول: فكيف لو رأوني؟ قال:فيقولون: لو رَأوْك لكانوا أشدَّ تحميدًا وأشدَّ تمجيدًا وأشدَّ لك ذِكْرَا) . [7] وقد خَتَمَ البخاريُّ صَحِيحَه الجامعَ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللهِ وبحمده، سبحان الله العظيم) . [8]
وقد علَّمَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَليٍّا وفاطمةَ رضي الله عنهما التكبيرَ والتسبيحَ والتحميدَ عند النوم؛ تعظيمًا لله عَزَّ وجَلَّ وشُكرًا له على نِعَمِه الكثيرةِ ورَحْمَتِه التي وَسِعَت كلَّ شيء. فقد روى عن عليٍّ (أنّ فاطمة عليها السلام شَكَتْ ما تَلْقَى في يَدِها مِن الرَّحى؛ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا, فلم تَجِدْه, فذكرَتْ ذلك لعائشة, فلما جاء أخْبَرَتْه, قال: فجاءنا وقد أخَذْنا مَضاجِعَنا, فذهَبتُ أقُومُ, فقال: مكانَك, فجلس بينَنا حتى وجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيه على صدري, فقال: ألا أدلُّكما على ما هو خَيرٌ لكما من خادمٍ؟ إذا أويتما إلى فِراشِكما أو أخذْتُما مضجعَكما فكبِّرا أربعًا وثلاثين, وسبِّحا ثلاثًا وثلاثين, واحمدا ثلاثًا وثلاثين؛ فهذا خيرٌ لكما من خادم) . [9] قال القرطبي:"إنَّما أحالَهما على الذِّكْرِ؛ ليكون عِوَضًا عن الدُّعاءِ عند الحاجة". [10]