فهرس الكتاب

الصفحة 6861 من 27345

ورَحِمَ الله ابنَ القيم؛ فقد أحْسَنَ التعبِيرَ عن حالِ العَبدِ في الحمدِ والدُّعاء؛ فذكرَ أنَّ"مُشاهَدةَ المنّةِ تُوجِبُ له المحبةَ والحمدَ والشُّكرَ لِوَلِيِّ النِّعَمِ والإحْسانِ، ومُطالعة عَيبِ النفسِ والعمل توجِب له الذلَّ والانكسارَ والافتقارَ والتوبةَ في كل وقتٍ؛ وأن لا يرى نفسَه إلا مُفلِسًا، وأقربُ بابٍ دخلَ منه العبدُ على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسِهِ حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلّق به ولا وسيلةً منه يمنّ بها! بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض دخولَ من قد كَسَر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه؛ حتى وَصَلَتْ تلك الكسرةُ إلى سُوَيْدائه؛ فانصدعَ وشَمَلَتْهُ الكسرةُ من كلِّ كلِّ جهاتِهِ، وشهد ضرورتَه إلى ربِّهِ عز وجل، وكمالَ فاقتِهِ وفقرِهِ إليه، وأنَّ في كلِّ ذَرَّةٍ من ذرّاتِهِ الظاهرة والباطنة فاقةً تامّةً، وضَرورةً كامِلةً إلى ربِّهِ تبارك وتعالى، وأنه إن تخلَّى عنه طرفةَ عينٍ هلك وخسر خسارةً لا تُجبَرُ؛ إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمتِهِ". [11]

فالحمدُ والدُّعاءُ يجتمعان في إظهارِ العُبوديةِ لله عَزَّ وجَلَّ والافتقارِ إليه والإقبالِ عليه؛"ففي القلب شَعَثٌ لا يلُمّه إلا الإقبالُ على الله، وفيه وِحشةٌ لا يزيلها إلا الأنسُ به في خلوته، وفيه حزنٌ لا يُذهبه إلا السرورُ بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلقٌ لا يسكّنه إلا الاجتماعُ عليه والفرارُ منه إليه، وفيه نيرانُ حسراتٍ لا يطفئها إلا الرِّضَى بأمرِه ونَهيِه وقضائه، ومُعانقة الصبرِ على ذلك إلى وقتِ لقائه، وفيه طَلَبٌ شديدٌ لا يقفُ دون أن يكونَ هو وَحدَه مَطلُوبَه، وفيه فاقةٌ لا يَسُدُّها إلا مَحبَّتُه والإنابةُ إليه ودَوامُ ذِكْرِه، وصِدقُ الإخلاصِ له؛ ولو أُعْطِيَ الدنيا وما فيها لم تُسَدَّ تلك الفاقَةُ منه أبدا"! [12]

[1] الوابل الصيِّب من الكَلِم الطيِّب لابن القيِّم ص 12. دار الكتب العصريّة بيروت. ط1. 1424 هـ.

[2] شرح ابن علان للأذكار 1/17. نقلًا عن تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد ص 6.

[3] مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين 1/5.

[4] رواه البخاري في كتاب الدعوات (باب الدعاء إذا انتبه من الليل) . فتح الباري 11/116.

[5] مدارج السالكين دار الفكر ط 1408هـ. وقد أعرضتُ عن ذكر الحديث الثاني ـ وهو في الترمذي ـ لضعفه.

[6] فتح الباري 13/378.

[7] سنن الترمذي 5/579، باب ما جاء أن لله ملائكة سياحين في الأرض، حديث 3600.

[8] وهو آخرُ حديثٍ في كتاب (التوحيد) .

[9] رواه البخاري في (باب التكبير والتسبيح عند المنام) فتح الباري 11/119.

[10] المرجع السابق 11 /14.

[11] الوابل الصيِّب ص 14-15.

[12] مدارج السالكين لابن القيّم 3/164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت